تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

44.51-54

الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يزيد الصورة وضوحا. وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:

فالوجه مثل الصبح مبيض

والشعر مثل الليل مسود

ضدان لما استجمعا حسنا

والضد يظهر حسنه الضد

ومن ذلك قوله تعالى:

إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13-14] وعليك أنت أن تعقد مقارنة وأن تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أن حدثنا عن مصير المجرمين وما أعده لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعده لهم من النعيم. ﴿ إن المتقين في مقام أمين ﴾ [الدخان: 51] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقاية صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقاية، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله. لذلك قال تعالى

يأيها الذين آمنوا اتقوا الله..

[البقرة: 278] وقال:

فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة..

[البقرة: 24] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يؤديان نفس المعنى. وقوله ﴿ في مقام أمين ﴾ [الدخان: 51] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مقومات المسكن أن يكون آمنا تأمن فيه على نفسك ومالك. لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بد أن نوفر لها أولا مقومات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقومات أن تكون بعيدة عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمنا من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائما أو قاعدا قمت ووقفت له. فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المقام، فوق الأمن في المقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه

رب اجعل هذا بلدا آمنا..

[البقرة: 126] يعني: أمنا عاما كما يشترط في أي بلد. فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال:

رب اجعل هذا البلد ءامنا..

[إبراهيم: 35] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال:

ومن دخله كان آمنا..

[آل عمران: 97] حتى أن الرجل كان يلقى فيه قاتل أبيه فلا يتعرض له لحرمة البيت. لذلك لما حدثت أحداث البيت الحرام، وأطلق فيه النار وفزع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة من انتهز هذه الفرصة وأخذ يشكك في قوله تعالى:

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية. وينبغي هنا أن نفرق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى:

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97] لا يعني الإخبار بأن من دخله كان آمنا، إنما المراد منه: أطلب منكم أن تؤمنوا من دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أن نطيعه فنؤمن من دخله، ويحتمل ألا نطيع فنروع من دخله.

إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليست خبرا، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب. ومن ذلك قوله تعالى:

الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات..

[النور: 26] البعض يفهم الآية على أن فيها إخبارا من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابد أن يكن للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلاف ذلك فيشك في صدق الآية. لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعي قد يطاع من البعض، وقد يعصى من آخرين. والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصل التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفة الحياة الزوجية، فلو تصورنا رجلا طيبا يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يعيرها الزوج بماضيها ويذلها بسيئاتها السابقة، أما إن أخذ الخبيث الخبيثة حدث التوافق، وإن قال لها: أنت كنت، قالت له: وأنت كنت. إذن: الحق سبحانه فرض أشياء كونية لا تختلف أبدا، ولا يعارضها واقع الحياة، وفرض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليست أمرا كونيا، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا من تؤمن بأمر شرعي نفذ هذا الكلام. وقوله تعالى: ﴿ في جنات وعيون ﴾ [الدخان: 52] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإن كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة. وقال ﴿ وعيون ﴾ [الدخان: 52] لأن الجنات لابد لها من عيون تروي زرعها، وتغذي ثمارها، وبعد أن ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن ﴿ يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ﴾ [الدخان: 53]. السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضا على الرفاهية والرياش الدال على الفخفخة لأن اللباس منه الضروري الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن فلان متريش يعني: عنده رفاهية في عيشه. قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٢٢