44.38-39
يريد الحق سبحانه أن يلفت الأنظار إلى قضية كونية تستوعب الزمن كله في الماضي وفي الحاضر، هذه القضية هي صفة الثبات في خلق السماوات والأرض، فهي منذ خلقها الله تعالى تسير على نظام محكم لا يتخلف ولا يتبدل ولا يتغير. هذا الثبات يعني أنها خلقت على الحق وبالحق، فالحق هو الثابت أما الباطل فيتغير، لذلك قلنا: لو نظرت إلى شاهد الزور أمام القاضي لا بد أن تتضارب أقواله، ويظل المحقق يحاوره حتى يوقعه في تناقض ويكشف الزور الذي يحاول أن يلبسه ثوب الحق. ويأتي التناقض في أقواله لأنه يستوحي باطلا من نسج خياله، أما الذي يستوحي الحق وينطق به، فإن أقواله لا تتغير ما دام متمسكا بالحق، فالحق ثابت وهو الواقع، فيمن أين يأتي التناقض؟ وللمحققين طرق وأساليب يكشفون بها الزور، ويصلون بها إلى الحق، لذلك قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. لكن لا بد في مرة من المرات أن تخونك الذاكرة، ولا بد أن ينتصر لسان الحق على لسان الباطل. وأذكر عندنا في دقادوس أحد المزارعين وكان رجلا فشارا، وفي مرة كنا عائدين من البندر ميت غمر وكان صاحبنا هذا يحكي بعض قصصه، فقال: حدث هذا في ليلة العيد الصغير والدنيا قمر ضهر. سبحان الله، كيف يكون القمر ظهرا في ليلة العيد الصغير؟ وحتى الناس العامة يقولون في أمثالهم: الكذب ملوش رجلين، نعم. الحق هنا يقول: ﴿ وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما لعبين ﴾ [الدخان: 38] إذن: خلقناهما بالجد لا باللعب، وبالحق لا بالباطل، وفي آية بعدها قال: ﴿ ما خلقناهمآ إلا بالحق ﴾ [الدخان: 39] وهذا الثبات دل على الدقة في الخلق، وأنها خلقت بعناية وهندسة دقيقة محكمة، وبقوانين لا تتعارض منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة. تأمل مثلا الشمس في مشرقها وفي مغربها، وفي حركتها وسرعتها بالنسبة للأرض، تأمل القمر وما يحدث من ظاهرتي الكسوف، كل هذه الآيات تحدث بدقة متناهية وموازين لا تتخلف أبدا ولا تتعارض، وهات لي أي آلة بشرية تعمل وتظل على الدقة طوال الوقت. والذي خلق السماوات والأرض على نظام دقيق لا يتعارض خلقها لغاية، هذه الغاية هي هي منذ آدم عليه السلام وإلى آخر الدنيا. قلنا ﴿ إلا بالحق.. ﴾ [الدخان: 39] الشيء الثابت الذي لا يتغير، ويقول سبحانه:
والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان
[الرحمن: 7-9]. في هذه الآية إشارة لطيفة من الحق سبحانه. يقول: انظروا إلى السماء وما فيها من كواكب وأجرام، هل رأيتم فيها خللا أو تعارضا؟ أبدا لأنها مخلوقة بالحق وبالميزان وبالدقة كذلك، إن أردتم أن تعتدل أمور حياتكم وتستقيم، فخذوا بميزان الحق في كل حياتكم، وعندها لن تجدوا في المجتمع تناقضا ولا تصادما.
ولأن الحق هو الثابت فهو الباقي وهو الأعلى لذلك قالوا: الحق أبلج والباطل لجلج، والحق لا ينطمس أبدا وإن علا الباطل عليه فلحين، فالحق سبحانه يجعل للباطل جولة يعلو فيها حتى يعض الناس ويشعرهم بأهمية الحق. فكأن الباطل نفسه جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان، ولو لم يذق الناس بطش الباطل وقسوته ما عرفوا لذة الحق، لذلك لما جاء الإيمان ما أسرع إليه إلا أشد الناس معاناة من الكفر. وقوله: ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الدخان: 39] لا يعلمون هذه الحقائق لأنهم معرضون عن آيات الله في الكون، معرضون عن التأمل، كما قال سبحانه:
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
[يوسف: 105].