44.34-35
الإشارة في ﴿ إن هؤلاء ليقولون ﴾ [الدخان: 34] قد يراد بها بني إسرائيل، لأنك لو نظرت إلى التوراة أو التلمود لا تجد فيه شيئا عن اليوم الآخر، مع أنه عنصر أساسي من عناصر الإيمان، لكنهم قوم لا يؤمنون بهذا اليوم. والمسألة عندهم كما حكى القرآن قولهم:
لن تمسنا النار إلا أياما معدودات
[آل عمران: 24] يعني: ثم تنطفئ عنا وتنتهي المسألة. وقالوا في آية أخرى:
نحن أبنؤا الله وأحبؤه
[المائدة: 18]. أو يراد بهؤلاء منكرو البعث عموما، سواء بنو إسرائيل أو غيرهم، وقولهم ﴿ إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ [الدخان: 35] يريدون بالموتة الأولى العدم الذي سبق الخلق، فيعتبرون العدم موتة، ثم خلق الله آدم ومنه جاء سائر الخلق. كما قال تعالى:
وكنتم أموتا فأحيكم
[البقرة: 28] يعني: لن نموت إلا هذه الموتة، وليس هناك موتة أخرى بعدها بعث ولا حساب ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ [الدخان: 35] يعني: مبعوثين أحياء بعد الموت.
44.36
قلنا: إن الإيمان يعتمد على آيات الغيب فتؤمن بوجود الله وبالجنة والنار دون أن تراها، هذا موطن الإيمان، أما الآيات المشاهدة فلا إيمان فيها، لا تقول: أؤمن بأن الشمس طالعة، لكن هؤلاء للمادية التي تحكمهم يريدون آية الغيب مشاهدة، فيقولون ﴿ فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين ﴾ [الدخان: 36] وليس مع العين أين. هم هم لا يصدقون إلا بالأمر الحسي، لذلك يريدون إعادة آبائهم من بعد الموت ليؤمنوا بأن البعث حق، ونقول لهم: إن كنتم تريدون ذلك فعندكم كتب التاريخ والرسالات السماوية تحكي لكم مثل هذا الذي تريدونه مثل قصة العزير:
أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير
[البقرة: 259]. كذلك في قصة أهل الكهف، يقول تعالى الذين أحياهم الله بعد ثلاثمائة سنة وتسع، أيضا ساعة قاموا من نومهم أو موتهم قالوا
لبثنا يوما أو بعض يوم
[المؤمنون: 113] لأن هذه الفترة المعتادة لنوم الإنسان. وهذه وغيرها وقائع حدثت في فترات سابقين، هم يعرفونهم ويؤمنون بهم، كذلك في قوله تعالى:
ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم
[البقرة: 243]. وهؤلاء الذين أحياهم الله بعد الموت لا يعيشون إلا بقدر المعجزة ثم يموتون. إذن: لا حجة لهؤلاء في طلب إحياء آبائهم، بدليل أن الله أحيا الموتى وبلغهم ذلك على لسان الرسل، ومع ذلك لم يؤمنوا، ولو أحيا الله لهم الآباء أيضا لم يؤمنوا.