44.21-22
يعني: إن لم تصدقوني فيما أقول فلا أقل من أن تعتزلوني وتتركوني وشأني فلا تؤذونني. وقوله ﴿ فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ [الدخان: 22] فيه إشارة إلى يأسه من صلاحهم حتى شكاهم إلى الله، وطلب الخلاص منهم.
44.23-24
الحق سبحانه وتعالى يقي أولياءه ويعطيهم الحصانة اللازمة، فالأمر لموسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا، ويخبره بما سيحدث من فرعون وقومه، وأنهم سيتبعونهم فلم يتركه للمفاجأة بل أعطاه حقنة وقاية بالعلم بالشيء، وهذه من أسباب النصرة والتأييد. وهذا هو الذي شجعه أن يقول كلا لن يدركونا ولن ينتصروا علينا، ونحن مؤيدون من الله، والذي أمرني أن أسري بعباده، وأخبرني ما سيكون من عدوي لن يخذلني. إذن: كل لقطة في هذه القصة دلت على طلاقة القدرة التي تعمل في الأشياء كلها، وتنقل الشيء إلى ضده. وقوله: ﴿ واترك البحر رهوا ﴾ [الدخان: 24] هذا الأمر جاء بعد الأمر بضرب البحر بالعصا في موضع آخر. إذن: هي لقطات متفرقة بين الآيات تتكامل لتخدم فكرة واحدة، وتكون نسيجا واحدا للقصة، فهناك قال له
اضرب بعصاك البحر
[الشعراء: 63] وهنا أمره ﴿ واترك البحر رهوا ﴾ [الدخان: 24] كلمة رهوا مصدر من رها يرهو رهوا. مثل: عدا يعدو عدوا. عدا يعني: جاوز المكان جريا. وضده رها يعني: سكن في مكانه. فموسى حين ضرب البحر تجمد الماء وسكن في مكانه على شكل جبلين كبيرين بينهما يابس، ورأى موسى هذا اليابس طريقا ممهدا فعبره إلى الجانب الآخر. وطبيعي وحسب تفكير العقل أن يفكر أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود في سيولته، ويمنع فرعون وجنوده من اللحاق به، لكن لله تعالى في الأمر تدبير آخر، فقال له: ﴿ واترك البحر رهوا ﴾ [الدخان: 24] أي: على سكونه. موسى يفكر ببشريته، والحق سبحانه يأمر بحكمته، وهذه ليس فيها غضاضة على موسى، لأن الذي يصوب له هو ربه عز وجل، وهذا شرف لموسى وعظمة. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نقل لنا هذا التصويب حين يخطئ الرسل في أمر لم يرد فيه نص، كذلك صوب الله له في قوله:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك
[التحريم: 1] وعاتبه ربه بقوله:
عفا الله عنك لم أذنت لهم
[التوبة: 43] فمن الذي أخبرنا بهذا التصويب وبهذا العتاب؟ إنه رسول الله الصادق في البلاغ عن ربه. إذن: الحق سبحانه صوب لنبيه موسى عليه السلام وقال له ﴿ واترك البحر رهوا ﴾ [الدخان: 24] لأني أريد أن أهلك فرعون وجنوده بنفس الشيء الذي نجيتك به، وهذه من طلاقة قدرة الله، ففرعون لا بد أن يغتر بهذا الطريق اليابس الذي يراه وسوف يعبره خلفك. وفعلا ما أن وصل موسى إلى الناحية الأخرى من البحر حتى كان فرعون في وسطه، وعندها أمر الله الماء أن يعود إلى استطراقه وسيولته، وأغرق فرعون وجنوده ﴿ إنهم جند مغرقون ﴾ [الدخان: 24] فبطلاقة القدرة أنجى الله سبحانه وأهلك بالشيء الواحد. ثم يبين لنا الحق سبحانه ما كان فيه هؤلاء من النعمة، وما آلوا إليه من النقمة والعذاب: ﴿ كم تركوا من جنات... ﴾.