يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير..
[الأعراف: 26]. إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قصارى ما تأخذه من اللباس هو ستر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أن ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تستر. أما لباس التقوى فهو زينة لك في الدنيا ونجاة لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود لذلك قال سبحانه:
ولباس التقوى ذلك خير..
[الأعراف: 26]. نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن ذكر ما أعده للكافرين من عقاب ذكر ما أعده للمؤمنين به المصدقين برسله، وجعل يوم القيامة يوما للفصل بينهما
إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين
[الدخان: 40]. والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مقومات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام. فهم فيه سواء لأنه ربهم جميعا وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابد أن يضمن لهم مقومات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلم عن اللباس قال:
يبني ءادم..
[الأعراف: 26] ولم يخص المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية.
قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم..
[الأعراف: 26] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يواري العورة، وفي الرياش الدال على الأبهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من متع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصله عن سابقيه، لأنه لباس خاص بأهل الإيمان. إذن: بعد أن سوى الله بيننا جميعا في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفصل، حيث يأخذ كل منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغلي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين. كلمة سندس و إستبرق من أصل فارسي دخلت العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارت على ألسنة العرب لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضة أن تستخدم اللغة ألفاظ لغة أخرى. وما دامت هذه الكلمات دخلت على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءا من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلا نستخدم كلمة بنك وهي غير عربية، وربما نجدها أخف وأرق من كلمة مصرف العربية. وقوله تعالى: ﴿ متقابلين ﴾ [الدخان: 53] في وصف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدل على الأنس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة ﴿ متقابلين ﴾ [الدخان: 53] تدل على أنس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم. ثم يقول سبحانه: ﴿ كذلك.. ﴾ [الدخان: 54] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ [الدخان: 54] الفعل زوج يتعدى بنفسه ويتعدى بالباء، تقول: زوجته فلانة يعني: جعلتها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى. أما زوجته بكذا يعني: أضفت إليه فردا مثله يكون معه زوجا، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ [الدخان: 54] تعدت بالباء. فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأنس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها لأننا في الآخرة سنخلق خلقا جديدا غير هذا الخلق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوط.
وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكر والأنثى لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأنس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن. وقوله ﴿ بحور عين ﴾ [الدخان: 54] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحور صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين وعين جمع عيناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما. إنك إذا نظرت إلى فمها لوجدت أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أن تتخيل هذا المنظر. ولما كان زواج الرجل بالمرأة من أعظم متع الدنيا، ويحرص عليه كل من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من متع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناس بما كنتم تعتبرونه نعمة في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من منغصاتها التي كانت في الدنيا. أرأيتم مثلا ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعد أن نصفيها لكم مما ينغصها، فجعل خمر الآخرة لذة للشاربين، وخمر الدنيا لا لذة فيه، وجعل اللبن لا يتغير طعمه، وجعل الماء غير آسن. كذلك جعل الزواج نقيا من شوائبه في الدنيا ومنغصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مستقر رحمته في الجنة يجد الزوج زوجته في الدنيا على هيئة أخرى لأن الله تعالى طهرها له ونقاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا. فلو كانت مثلا غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سينشئهن نشأة جديدة: