44.58
الحق سبحانه يعود هنا لمخاطبة نبيه صلى الله عليه وسلم وبيان نعمته عليه، ومن هذه النعم أنه سبحانه يسر له القرآن يقرؤه بلسان عربي مبين، فالضمير في ﴿ يسرناه.. ﴾ [الدخان: 58] يعود على القرآن بدليل قوله ﴿ بلسانك.. ﴾ [الدخان: 58] فهذا إمداد لغوي حيث جعله الله بلسان ولغة عربية وهو لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولغته التي ينطلق بها. وقوله: ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ [الدخان: 58] دل على أنه بلسانك وبلسان قومك، قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
[إبراهيم: 4] فهو بلسانك تبليغا وبلسانهم تلقيا واستقبالا، ثم بلاغا أيضا لأنهم هم الذين سيقومون بمهمة البلاغ بعد رسول الله.
44.59
﴿ فارتقب.. ﴾ [الدخان: 59] يعني: انتظر ﴿ إنهم مرتقبون ﴾ [الدخان: 59] منتظرون، فماذا ينتظر رسول الله؟ وماذا ينتظر الكافرون؟ رسول الله صاحب دعوة وهدى، جاء بنور يهدي به هؤلاء القوم، وهم مناهضون لدعوته يناصبونه العداء، ويريدون أن يطفئوا هذا النور، هو حريص عليهم محب لهدايتهم رغم إيذائهم لهم وسخريتهم منه، حتى إنه ليكاد أن يهلك نفسه في سبيل دعوته. لذلك كثيرا ما خاطبه ربه مسليا له مخففا عنه، يخبره
إن عليك إلا البلاغ..
[الشورى: 48]
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]. وقال:
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33] يعني: لا تحزن يا محمد لما يقولونه عنك، لأنهم يحبونك، ويقدرونك ويعلمون صدقك ومكانتك، فأنت عندهم أعلى من أن تكذب عليهم، ولكن المسألة أنهم يجحدون بآياتي، فالمسألة عندي أنا. كلمة ﴿ فارتقب.. ﴾ [الدخان: 59] جاءت في هذه السورة مرتين هنا، وفي قوله سبحانه:
فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين
[الدخان: 10] لما دعا رسول الله عليهم وقال:
" اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ".
فنزل بهم من القحط والجدب ما نزل حتى أكلوا الجيف والعلهز وضجوا يدعون الله أن يكشف عنهم، والله يعلم أنه لو كشف عنهم لعادوا لما كانوا عليه من التكذيب لرسوله. لذلك خاطب الله رسوله بقوله:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77]. فمعنى ﴿ فارتقب.. ﴾ [الدخان: 59] أي: انتظر ما يحل بهم من العذاب لأنهم يرتقبون ما يريحهم منك ويخلصهم من دعوتك، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يعلم رسوله كيف يجادلهم، فيقول لهم:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون
[التوبة: 52]. يعني: قل لهم يا محمد: أنتم تتربصون بنا إحدى الحسنيين، إما النصر عليكم، وإما أن نموت شهداء، فإن انتصرنا عليكم علا منهج الله وساد، وإن متنا كنا شهداء أحياء عند ربنا نرزق. ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، إذن: نحن تربصنا بكم بشر لكم، وأنتم تربصتم بنا بخير لنا.