44.3-5
مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: منزل، ومنزل، ومنزل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أن المنزل هو الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد:
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس
[الحديد: 25] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يشعر بعلو المنزل. ثم الشيء المنزل هو القرآن الكريم ﴿ أنزلناه ﴾ [الدخان: 3] إلى من أنزل إلى الناس ﴿ في ليلة مباركة ﴾ [الدخان: 3] هي ليلة القدر يعني: زمن النزول العام للقرآن. وقال ﴿ في ليلة ﴾ [الدخان: 3] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لغط ولا ضوضاء ولا صخب يمكن أن يشوش على المنزل، كذلك يكون الإنسان ساكنا غير منشغل الجوارح بشيء. إذن: في الليل يتوفر للعقل كل مقومات الانتباه والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل:
يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا
[المزمل: 1-6]. إذن: نزل القرآن ليلا لأنه أنسب وقت لنزوله، ونزل على قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، لذلك قال تعالى:
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة: 143]. البعض قال عن هذه الليلة: هي ليلة القدر لقوله تعالى:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] وآخرون قالوا: بل هي ليلة النصف من شعبان، والمسألة هذه تحتاج منا إلى تمحيص لأنه نزل في واحدة منها. نقول: القرآن قبل أن ينزل ويباشر مهمته في الوجود كان في أي مكان؟ كان في اللوح المحفوظ
إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون
[الواقعة: 77-79] وقال:
وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم
[الزخرف: 4]. فالنزول الأول للقرآن كان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لكن هل نزل ما سجل في اللوح المحفوظ أو نسخة منه؟ قالوا: بل نسخة منه بعد استنساخه. ثم بعد ذلك نزل منجما حسب الأحوال والأحداث، نزل به الملك جبريل على قلب سيدنا رسول الله، كل نجم منه في مناسبة. إذن: عندنا مراحل ثلاث لنزول القرآن: الأولى استنساخه من اللوح المحفوظ، وهذا له زمن، ثم نزوله جملة واحدة إلى سماء الدنيا وله زمن، ثم نزوله منجما حسب الأحوال، وهذا النزول له زمن ممتد على مدى الأحداث استغرق عدة سنوات. ومن الممكن أن نجد في هذه المراحل الثلاث مخرجا من إشكال: أهو في ليلة القدر أم في النصف من شعبان؟ ولا مانع من اشتراك الليلتين في هذا الفضل في أي مرحلة من مراحله.
ثم إن ليلة النصف من شعبان لها شرفها وكرامتها الخاصة بها، وهي مسألة تحويل القبلة التي هي متجه المسلمين جميعا في كل بقاع الأرض، ثم إن الاتجاه إلى بيت المقدس كان له زمن وله حكمة، ثم التحول إلى الكعبة كان أيضا له زمن وله حكمة. فليست المقارنة هنا بين حق وباطل، بل الفرق بين أمرين حكيمين، لكن هذا له زمن وهذا له زمن، لذلك الحق سبحانه لم يشأ أن يجعل تحويل القبلة في فرض من أوله، إنما في أثناء الفرض قسمه الأمر بالتحويل قسمين، فصلى نصف الصلاة الأولى إلى بيت المقدس، ونصفها الآخر إلى الكعبة. وهذا إن دل فإنما يدل على أن بيت المقدس داخل في مقدسات المسلمين كالكعبة تماما، وحادثة الإسراء من بيت المقدس تؤكد ذلك. إذن: شاء الله تعالى أن يكون متجه الصلاة مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى الكعبة لحكمة في كليهما. الأولى: أن يكون بيت المقدس من مقدسات المسلمين. الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له ألفة بقبلة إبراهيم عليه السلام. لذلك قال تعالى:
قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام..