44.28
﴿ كذلك ﴾ [الدخان: 28] يعني: مثل هذا، سلبها الله منهم وأعطاها لغيرهم، ولو سلبت منهم فقط لكانت أخف عليهم، إنما سلبت منهم وأعطيت لغيرهم فهذا أنكى. لذلك الذي جعل الحسد مذموما أن الحاسد يتمنى زوال النعمة عن الغير ولو لم تأت إليه، المهم أن تذهب عن فلان لأنه يكره النعمة عنده، وحين يكره النعمة تكرهه ولا تأتيه. ومقابل الحسد الغبطة، وهي أن تحب النعمة عند الغير، وتتمنى مثلها لنفسك، وحين تحب النعمة تحبك وتأتيك ساعة تقول: " اللهم بارك له فيها، وأنعم علي بمثلها ". لكن من هم القوم الآخرون الذين ورثوا النعمة بعد قوم فرعون؟ هم بنوا إسرائيل القوم الذين عذبوا، الذين ذبحتم أبناءهم واستحييتم نساءهم، ومطلق التذبيح فيه إذلال وإهانة، وأفظع منها ما يفعل بالنساء بعد موت الرجال لذلك كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم كيلا يتركوهن للأعداء لو نزلت بهم الهزيمة.
44.29
تثبت هذه الآية أن للجمادات عاطفة، وأنها تحب وتكره، وتبكي وتفرح، فالعاطفة إذن موجودة في كل المخلوقات على قدر الحاجة، فالعاطفة في الإنسان باقية، فتراه مثلا يحب ولده، حتى لو كان الولد غبيا أو مشاغبا، ويستمر معه هذا الحب، وربما يعطف عليه أكثر من السوي. لذلك لما سألوا الأعرابي: من أحب بنيك إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى. أما الحيوان فعاطفته على قدر الحاجة، فترى الحيوان يعطف على ولده الصغير ويدافع عنه، فإذا ما كبر تركه وكأنه لا يعرف عنه شيئا، ولو ذبح أمامه ما شعر نحوه بشيء، لأن عاطفته بقدر حاجة الصغير للتربية. كذلك الجماد، الحق سبحانه يرتقي به ويجعل له عاطفة، ومن هذه العاطفة أن السماء والأرض ما بكت على هؤلاء المهلكين لأنهم خالفوا منهج الله. لذلك خاطب الله الجمادات، وجعلها في منزلة أولي الألباب المستنيرين الذين يفهمون ويعقلون، بدليل أن الله تعالى خير السماوات والأرض والجبال في مسألة حمل الأمانة:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها..
[الأحزاب: 72]. فدل ذلك على أن لها اختيارا وتعقلا، وبعضهم قال: إن السماء والأرض مسخران ومقهوران على العبادة، قلت: لا بل كل شيء في الوجود عدا الله خير، فمنها من تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وعن مراده لمراد خالقه، ومنها من اختار أن يكون مختارا وهو الإنسان. وقلنا: فرق بين وقت التحمل ووقت الأداء، فأنت تضمن وقت التحمل وتثق به، لكنك لا تضمن وقت الأداء، إذن: كانت الجمادات أكثر موضوعية من الإنسان في هذه المسألة لأنها اختارت بداية أن تكون مقهورة لربها، أما الإنسان فاختار أن يكون مخيرا، وعند الأداء منهم من آمن ومنهم من كفر، منهم من أطاع، ومنهم من عصى. فإن قلت: فبأي لغة تتكلم الأرض والسماء؟ وكيف تفهم؟ نقول: يخاطبها ويفهم منها خالقها سبحانه، فهو الذي يعلم لغتها لذلك يعطينا الحق سبحانه أمثلة لكلام هذه المخلوقات وتسبيحها لله تعالى، فقال:
وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين
[الأنبياء: 79] وقال:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام تكلم الهدهد كلاما دل على علمه وفهمه لقضية التوحيد كأحسن ما يكون الفهم، وتكلمت نملة ووجدنا عندها مقاييس الحق والعدالة. ووالله إن الإنسان ليتعجب حينما يقرأ قوله تعالى:
ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء
[الحج: 18].
فكل الكائنات تسبح على إطلاقها ودون استثناء، إلا الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يشذ عن هذه المنظومة المسبحة. لذلك قلنا: إن المخلوقات الأخرى غير الإنسان كانت أكثر فهما منه حين رفضت التخيير وتنازلت عن مرادها لمراد ربها. إذن: لا تغتر أيها الإنسان، واعلم أن المخلوقات من حولك لها دور ولها منزلة عند الله، وقد خلق فيها مثل ما خلق فيك من الفهم والعاطفة. وقد ورد في الحديث الصحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذه المسألة، فقال عن أحد: