44.32
الكلام هنا عن بني إسرائيل، وهم يتمسكون بهذه الآية ويبنون عليها أنهم شعب الله المختار، فيقولون: إن الله الذي خلقكم وبعث إليكم رسولا هو الذي اختارنا على العالمين. وهذا ادعاء باطل لأن معنى ﴿ على العالمين ﴾ [الدخان: 32] أي: العالمين في زمانهم والمعاصرين لهم من قوم فرعون وغيرهم، وهؤلاء كانوا في الغالب وثنيين، ففضل الله بني إسرائيل عليهم لأنهم يؤمنون بالله وكانوا في هذا الوقت خيرة خلق الله جميعا. لكنهم أرادوا أن يسحبوا هذا الحكم على الناس جميعا، وعلى العالمين في كل زمان ومكان، وهذا لا يجوز، بدليل أنهم لما خالفوا منهج الله قطعهم في الأرض أمما، وبعثرهم في كل مكان عقابا لهم. حتى أنك تجد في كل بلد من البلاد حارة باسمهم تسمى حارة اليهود، تراهم مجتمعين ومنغلقين على أنفسهم لا ينسجمون ولا يذوبون في المجتمع من حولهم. حتى أن القرآن عبر عن هذا المعنى بقوله تعالى
وقطعناهم في الأرض أمما
[الأعراف: 168] فكل جماعة منهم في مكان تمثل أمة بذاتها لأنهم لا يذوبون في غيرهم من الأمم. والذي ينفي ادعاءهم هذا قوله تعالى:
وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب
[الأعراف: 167] وهذا هو الذي يحدث بالفعل، فمن حين لآخر يسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب. ثم يقول تعالى: ﴿ وآتيناهم من الآيات... ﴾.