تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[البقرة: 144]. والصلاة فرضت على رسول الله بعد معراجه إلى السماء من بيت المقدس، والصلاة هذه بها متجه القبلة، فالقبلة لابد أن تأخذ الاثنين مبدأ التشريعي ومبدأ الاستبقائي، وهذا جعله الله فتنة للمسلمين ولغير المسلمين، لأن القبلة لما كانت إلى بيت المقدس قالوا: ما الذي حوله عن قبلة إبراهيم إلى قبلة داود وسليمان، وقلنا: لكي تدخل في مقدسات الإسلام ولا يستبدوا بها. واليهود التقطوا هذه المسألة وجعلوها شبهة وقالوا: إذا كان محمد رافضا لديننا فكيف يتبع قبلتنا؟ إذن: كانت فتنة للطرفين لكي يلتزم الإنسان التوجيهات الإلهية بدون تدخل للعقل فيها. وقالوا في الليلة المباركة: إنها ليلة البراءة وليلة الصك وليلة الرحمة، ليلة البراءة مأخوذة من البراءة التي كان يعطيها العامل على الزكاة للممول حين يعطيه حق الله في المال وهو الزكاة، فيعطيه العامل صك البراءة الذي يدل على أدائه للزكاة وبراءة ذمته منها، والصك بنفس المعنى. وليلة الرحمة، قالوا: رحمة برسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، لأن نفسه كانت تتوق للتوجه نحو قبلة إبراهيم. وقوله سبحانه: ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ [الدخان: 3] بعد أن ذكر الإنزال ذكر الإنذار، فالإنزال للإنذار، لأن القاعدة الشرعية أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة فذكر منذرين قبل مبشرين. وسبق أن قلنا: هب أن واحدا يرمي لك تفاحة، وفي ذات الوقت آخر يرميك بحجر، فبأيهما تنشغل؟ لا شك أنك تحرص أولا على دفع الحجر عنك وتقدمه على استقبال التفاحة. كذلك الحال في هذا الأسلوب القرآني ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ [الدخان: 3] كلمة كنا دلت على الماضي مع أن الإنذار مستمر ولا يزال، لأن الحق سبحانه لا يحكمه زمن معين، لأنه سبحانه خالق الزمن، وما دام الزمن من خلق الله فالمخلوق لا يتحكم في الخالق.

فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أما في حق الله تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلا

وكان الله غفورا رحيما

[الأحزاب: 50] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم. وقوله تعالى: ﴿ فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ [الدخان: 4] أي: في هذه الليلة ﴿ يفرق ﴾ [الدخان: 4] بمعنى يوضح ويفصل ويبين، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله حكمة في زمنه. وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه حكيم لأنه أمر الله ﴿ أمرا من عندنآ ﴾ [الدخان: 5] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر الذي يأتي من قبل الحق سبحانه ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ [الدخان: 5] يعني: لم نترك خلقنا هملا إنما خلقناهم وأرسلنا لهم من يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلهم على الهدى ويبين لهم. فالحق أول ما خلق الخلق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو أول البشر رسولا، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسان، لماذا؟ لأنه خلقه لعمارة الأرض

هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..

[هود: 61] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ولا أقل من أن نترك الصالح على صلاحه إذا لم نزد في الصلاح. وقد أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم ترتق به بأن تبني حوله سورا وحافة تحميه من زحف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة لرفع الماء، فلا أقل من أن تتركه على حاله ولا تهدمه. كذلك حال الإنسان في عمارة الأرض عليه أن يعمل عقله في البدهيات ليصل منها إلى نظريات ترتقي بها حياته، عندنا مثلا الصوف والوبر والشعر، لكل منها صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن

ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ومتاعا إلى حين

[النحل: 80]. ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ولكل نوع منها خصائص يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون. إذن: كل ارتقاء في الكون أتى من أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض. لذلك عندما تتأمل أسلوب القرآن في مخاطبة الناس تجده يبدأ بأمور بسيطة بعيدة عن التعقيد الفكري، فيحدثهم أولا عن أصل المنهج وما به تستقيم حياتهم وتنسجم حركاتهم في الحياة، ويحدث العقول بما يناسب ارتقاءها الفكري.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٩٨