تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الصافات: 137-138]. فها هي آثار عاد وثمود وغيرهم ما تزال شاهدة عليهم، بعضها فوق الأرض، ومعظمها مطمور تحت طبقات الثرى لذلك نجد أن كل الآثار القديمة يجدونها في الحفريات تحت الأرض، ولم لا وقد كانت العاصفة تهب الهبة الواحدة، فتبتلع القافلة بأكملها، فما بالك بهبات الرياح من أيام عاد حتى الآن. إذن: خذوا عبرة من مصير هؤلاء. ومعنى ﴿ أولم يهد لهم.. ﴾ [السجدة: 26] يهدي: أي: يدل ويرشد ويبين ويوضح، والهداية لها عناصر ثلاثة: هاد ومهدي والشيء المهدى إليه، ومادة: هدى تستعمل في كتاب الله ثلاثة استعمالات: الأول: أن يذكر الهادي، وهو الله عز وجل، والثاني: أن يذكر المهدي وهم الخلق، والثالث: وهو أن يذكر المهدى إليه، وهي الغاية التي يريدها الله. وهذا الفعل يأتي مرة متعديا بنفسه، كما في سورة الفاتحة:

اهدنا الصراط المستقيم

[الفاتحة: 6] أي: يا الله، فالله هو الهادي، ونحن المهديون، والغاية هي الصراط المستقيم. ومرة يعدى الفعل باللام، كما في

الحمد لله الذي هدانا لهذا..

[الأعراف: 43] فلم يقل: هدانا هذا، ومرة يتعدى بإلى كما في

.. والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم

[البقرة: 213]. فتلحظ أن الهادي واحد وهو الله تعالى، والمهدي هو الخلق، لكن المهدى إليه هو المختلف، أما في هذه الآية فالأمر مختلف، حيث يقول سبحانه: ﴿ أولم يهد لهم.. ﴾ [السجدة: 26] فلم تدخل اللام على المهدى إليه، إنما دخلت على المهدي، فلم يقل الحق سبحانه: أو لم يهد الله هؤلاء القوم لكذا. فلماذا؟ قالوا: لأن بعض الناس يظنون أن الله حين يهدي إلى الطريق يحملك مشقات التكاليف لذلك نرى بعض الناس ينفرون من التكاليف ويرون فيها عبئا عليهم، ومن هنا عبد بعضهم الأصنام، وعبد بعضهم الشمس أو القمر.. إلخ لأنها آلهة بدون منهج وبدون تكاليف، ليس لها أوامر، وليس عندها نواه، وما أيسر أن يعبد الإنسان مثل هذه الآلهة التي لا مطلوبات لها. والذي يرى في التكاليف مشقة، ويراها عبئا عليه يراها كذلك لأنها تصادم مراد نفسه في الشهوات وتحد من رغباته، ومرادات النفس ربما أعطتك لذة عاجلة، لكن يعقبها حسرة وشر آجل. ومثلنا لذلك بالتلميذ الذي يتحمل مشقة المذاكرة والدرس طمعا في التفوق الذي ينتظر حلاوته، وآخر يفضل اللذة السريعة العاجلة فيلعب ولا يهتم، فيلاقي مذلة الفشل والاحتقار آخر العام.

إذن: عليك أن تقرن بين مشقة العمل والنتيجة والثمرة التي تنالها من ورائه، وعندها تهون عليك مشقة التكاليف لأن ما ينتظرك من الأجر عليها أعظم مما قدمت وأبقى. فالحق سبحانه يريد منا أن نقبل على التكاليف، ونعرف أنها لمصلحتنا نحن، وأنها في الحقيقة تشريف لنا لا تكليف لأن الذي كلفني لا يحتاج مني إلى هذا، ولا ينتفع من عبادتي بشيء، بل هو سبحانه يتحنن إلي لأكون أهلا لإنعامه وجديرا بفضله وكرمه. ألم يقل سبحانه:

لئن شكرتم لأزيدنكم..

[إبراهيم: 7] فالمسألة إذن منك وإليك، فالله سبحانه له صفات الكمال قبل أن يخلق عباده. فاللام في ﴿ أولم يهد لهم.. ﴾ [السجدة: 26] أي: لصالحهم ومن أجلهم، وليس عليهم، فالهدى لصالح المهدي لا الهادي، ولو فهم الإنسان هذه الحقيقة وعرف أن الهداية راجعة إليه لقبل يد من بلغه عن الله هذا الفضل. ويؤكد هذا المعنى - لمن فطن - قوله تعالى عن المؤمنين:

أولئك على هدى من ربهم..

[لقمان: 5] فالهدى ليس حملا يحملونه، إنما مطية يركبونها إلى الغاية النبيلة التي أرادها الله لهم. فما الذي بينه الله للمؤمنين ودلهم عليه؟ يقول سبحانه: ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم.. ﴾ [السجدة: 26] أي: انظروا إلى المخالفين للرسل من قبلكم، وكيف أخذهم الله فلم يمكنهم من رسله، بل انتصر الرسل عليهم. وكم هنا تفيد الاستفهام عن العدد، وهي بمعنى كثير، كما تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنت إليك أي: مرات كثيرة لا تعد، والمراد أننا بينا لكم كثيرا من الأمم التي عادت رسلها، وكيف كانت عاقبتهم وغايتهم التي انتهوا إليها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٠٧