تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

[العنكبوت: 40]. ومن مصلحتنا أن يبين الله لنا عاقبة المكذبين لأنه ينبهنا إلى الخطر قبل أن نقع فيه. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن قوله تعالى - من سورة الرحمن:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان

[الرحمن: 35-36] فاعتبر الشواظ والنار من النعم التي ينبغي ألا نكذب بها، لماذا؟ لأنه نبهنا إليها حتى لا نقع فيها. وقوله تعالى: ﴿ من القرون.. ﴾ [السجدة: 26] القرن حدده العلماء بمائة عام، لكن هذه المائة تتداخل، ويقترن فيها عدة أجيال يجتمعون على مذهب أو مبدأ واحد، فالقرن يقرن بين الجد والابن والحفيد، هذا إن أردت الزمن وحده، فإن قرن الزمن بعصر دين من الأديان أو نبي أو ملك، فقد يطول القرن إلى الألف عام، كما في قرن نوح عليه السلام. فالقرن مرتبط بما قرن به لذلك نقول: العصر الجاهلي، عصر صدر الإسلام، عصر بني أمية، العصر العباسي، عصر المماليك، وما نزال حتى الآن نقول عن عصرنا: العصر الحديث.

والحق سبحانه يبين لنا في الحياة التي نعيشها أن الزمن متغير، إلى أعلى في الماديات، وإلى أدنى في المعنويات، فكلما تقدم الزمن انحل الناس من ربقة الدين وتفلتوا منه ذلك لأن الارتقاءات المادية ينتج عنها حضارات تستهوي النفوس وتغريها، والنتيجة انحدار في القيم وفي الدين، ولو أن الارتقاء كان متساويا لسار الأمران في خطين متوازيين. لذلك يقول تعالى:

حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا..

[يونس: 24]. ثم إنك لو نظرت إلى جزئيات الحضارة في الكون تجد أن الأمم صاحبة الحضارات لم تستطع أن تجعل لنفسها وقاية من اندحار حضارتهم، ولم يستطيعوا صيانتها. حتى العصور التقدمية: كنا في العصر الحجري، ثم عصر البخار، ونحن الآن في عصر الفضاء. إذن: نحن مرتقون فقط في الماديات، لكن منحدرون في المعنويات، لكن هل هذا الارتقاء المادي جاء عن امتلاك لمعالم هدى الله في الأرض؟ لا، لأن الله تعالى بين لنا:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9]. فأنا الذي أنزلت، وأنا الذي ضمنت حفظه، فلم أتركه لكم تحفظوه، إذن: المسألة عن عجز منا، وإلا فكتاب البداية موجود حجة علينا. وقوله تعالى: ﴿ يمشون في مساكنهم.. ﴾ [السجدة: 26] أي: أنني لا ألقى القضايا بدون حجة أو دليل، بل هي شاخصة أمامكم تمرون بها، وترونها ليل نهار، كما قال سبحانه:

وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون

[الصافات: 137-138]. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ﴾ [السجدة: 26] فالله يحضهم على أن يستمعوا إلى سير المكذبين المعاندين، وما حاق بهم من انتقام الله منهم. وبالله: الإنسان مهما قصر عمره، ألم ير ظالما، وألم ير مصرع هذا الظالم وعاقبة ظلمه، فإن لم ير ظالما ألم يحدث عنه؟ إذن: مما يصلح حال الناس أن يستمعوا إلى حكايات عن الظالمين وعن نهايتهم، وما ينزل بهم من الانتقام الذي لا ينتظر الآخرة، بل يعجل لهم في الدنيا. وفي ذلك حكمة لله بالغة لأن الظالم ربما لا يرعوى ولا يرجع في الدنيا عن ظلمه، فيظل يعربد في الخلق ما أحياه الله، لكن إن مسه شيء من العذاب، فلربما عاد إلى رشده، وإن لم يعد كان عبرة لغيره. لذلك قال أهل المعرفة: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه. وربما من رآه ظالما يراه مظلوما، ومن أراد أن يرى نهاية ظالم فلينظر إلى مصارع الظالمين قبله. وتأمل قول ربك:

وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا..

[الأنعام: 129] فكأن الظالم له رسالة، هي أن ينتقم من ظالم مثله، وهكذا يهلك الله هؤلاء بعضهم ببعض لأن الخير طيب القلب لا يؤدب ظالما، فإن اعتديت عليه غلب عليه طابع التسامح والعفو.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٠٨