32.18
أولا: نلحظ في اللفظ أن مؤمنا وفاسقا جاءت بصيغة المفرد، فكان القياس أن نقول: لا يستويان، إنما سياق القرآن ﴿ لا يستوون ﴾ [السجدة: 18] وسبق أن قلنا: إن من وما الموصولتين تأتي للمفرد أو للمثنى أو للجمع، وللمذكر وللمؤنث، فمرة يراعي السياق لفظها، ومرة يراعى معناها. والمعنى هنا ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ﴾ [السجدة: 18] الحق سبحانه لا يتكلم عن المفرد، إنما عن الجمع، أو أنها قيلت ردا لحالة مخصوصة بين مؤمن وكافر وأراد الحق سبحانه أن يعطيها العموم لا خصوص السبب، فراعى السياق خصوص السبب في مؤمن وكافر، وراعى عموم الموضوع فقال ﴿ لا يستوون ﴾ [السجدة: 18] والقاعدة الفقهية تقول: إن العبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين جادل عليا رضي الله عنه. فقال له: أنا أشب منك شبابا، وأجلد منك جلدا، وأذرب منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك وجدانا، وأكثر منك مرقا، فرد عليه علي - كرم الله وجهه - بما يدحض هذا كله ويبطله، فقال له: اسكت يا فاسق، ولا موهبة لفاسق. والمعنى: إن كنت كما تقول فقد ضيعت هذا كله بفسقك، حيث استعملت قوة شبابك وجلدك وذرب لسانك وشجاعة وجدانك في الباطل وفي المعصية، وفي الصد عن سبيل الله. وهكذا جمعت الآية بين خصوصية هذا السبب في ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا.. ﴾ [السجدة: 18] وبين عموم الموضوع في ﴿ لا يستوون ﴾ [السجدة: 18]، فهذا الحكم ينسحب على الجمع أيضا. وجاء قوله تعالى: ﴿ لا يستوون ﴾ [السجدة: 18] كأنه جواب للسؤال ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا.. ﴾ [السجدة: 18] لكن، لماذا لم يأت الجواب مثلا: لا يستوي المؤمن والفاسق؟ قالوا: لأن هذا الأسلوب يسمى أسلوب الإقناع التأكيدي، وهو أن تجعل الخصم هو الذي ينطق بالحكم. كما لو قال لك صديق: لقد مررت بأزمة ولم تقف بجانبي. فتستطيع أن تقول له: وقفت بجانبك يوم كذا ويوم كذا - على سبيل الخبر منك، لكن الإخبار منك يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، فتلجأ إلى أسلوب آخر لا يستطيع معه الإنكار، ولا يملك إلا الاعتراف لك بالجميل فتقول بصيغة السؤال: ألم أقدم لك كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وأنت لا تسأله إلا إذا وثقت بأن جوابه لا بد أن يأتي وفق مرادك وعندها يكون كلامه حجة عليه. لذلك طرح الحق سبحانه هذه المسألة في صورة سؤال: ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا.. ﴾ [السجدة: 18] ولا بد أن نقول نحن في جواب هذا السؤال: لا يستوي مؤمن وفاسق، ومن يقل بهذا فقد وافق مراد ربه. وما دام أن المؤمن لا يستوي والفاسق، فلكل منهما جزاء يناسبه: ﴿ أما الذين آمنوا... ﴾.