تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32.26

الحق - سبحانه وتعالى - تكلم عن الرسالة التي أرسل بها رسوله صلى الله عليه وسلم ليؤكد في الناس عقيدة أعلى، وهي عقيدة الوجود للإله الواحد الذي لا شريك له، ثم بين أن لنا مع الله لقاء آخر حين تنتهي هذه الدنيا الفانية، ثم نستقبل حياة خالدة، إما إلى جنة إن شاء الله، وإما إلى نار ونعوذ بالله. والحق سبحانه حين يعرض آياته في الكون يعرضها لتثبت أنه هو الذي خلق هذه الآيات العجيبة، فلم يتركنا سبحانه ننظر وننصرف إنما لفتنا ونبهنا إلى وجوب النظر إلى آياته في الكون، وحين يأتي من يريد أن ينبه عقلك فاعلم أنه لا يريد أن يخدعك، أو أن يأخذك على غرة، فربك يقول لك: استقبل كلامي هذا بمنتهى التدبر والتذكر والتعقل. ولو لم يكن واثقا من أنه سيصل بالتدبر والتعقل والتذكر إلى الغاية التي يريدها لما نبه عقلك لآياته، كما ترى عارض السلعة الجيدة الواثق من جودتها يعرضها عليك، ويكشفها لك، ويدعوك إلى فحصها وتأمل ما فيها، فهو لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته وأنها ستنال رضاك. أما صاحب السلعة المغشوشة فيخدعك ويسلك معك أساليب اللف والدوران والتغرير، فحين تدهب مثلا لشراء حذاء وجاء ضيقا يقول لك: سيتسع بعدما تمشي فيه، فإن جاء واسعا يقول لك: أحضر لك واحدا أوسع؟ ليوهمك أنه ضيق، وأساليب هؤلاء مكشوفة لا تخفى على أحد، فالذي يريد أن يغش أو يخدع يلف القضايا ليسترها عن عقلك المتدبر المتذكر المتمعن. أما الحق سبحانه، فكثيرا ما قال في قرآنه: أفلا يسمعون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون القرآن لذلك من مصلحة الدعوة أن يتعقلها الناس، وأن يتدبروها، في حين أن بعض أصحاب الديانات الأخرى يقول لك حين تناقشه: أبعد العقل عن هذه المسألة، لماذا؟ لأنه واثق أنها لو بحثت بالعقل لردها العقل ولم يقبلها - والحق سبحانه يريد ألا يترك عذرا لأحد في البلاغ، فالدعوة قد بلغت الجميع بلاغا سليما واضحا، تلك آيات الله في الكون. ثم يأتي الحق سبحانه بآيات معجزة ليثبت صدق الرسول، فيجعلها تخالف نواميس الكون فيما نبغ فيه القوم ليقطع عليهم الحجة، ثم يأتي بآيات الأحكام التي تحمل المنهج بافعل ولا تفعل، ويبين أن صلاح حركة الحياة في تطبيق هذا المنهج ويترك للمخالفات أن تظهر بعض العيوب، فإذا ما نظرت إلى عيب أو عورة في المجتمع عرفت أنها نتيجة طبيعية لمخالفة منهج الله، فكأن المخالفة ذاتها من مؤكدات الحكم. ثم يبين سبحانه أنه أرسل رسلا كثيرين من لدن آدم عليه السلام لأن الإنسان الذي هو خليفته في الكون تصيبه غفلة حين ينخرط في أسباب الدنيا، وتأخذ عليه كل فكره وكل همه، فينسى ما طلب الله منه، فمن عادة الإنسان ألا يتذكر إلا ما ينفعه النفع العاجل.

لذلك نجد كثيرا من الناس ينسى ما للناس عنده، ويتذكر ما له عندهم. فالحق سبحانه يقول: أنا لم يعد لخلقي عندي حجة، فقد نثرت لهم آيات الكون الملفتة، وهي آيات واضحات لم يدعها أحد لنفسه، ومع كثرة الملحدين والكافرين لم نر أبدا من ادعى خلق الشمس أو القمر، ولم يقل أحد: إنني أسير الريح، أو أنبت الزرع، أو أنزل الماء من السحاب. والحق سبحانه ينبهنا أيضا: لا تنس أيها الإنسان أنك خليفة لله في الأرض، وإياك أن تظن أنك أصيل فيها، فساعة تظن أنك أصيل في الدنيا يتخلى الله عنك، ويتركك لنفسك فتهلك، كما حدث لقارون حين وسع الله عليه في الدنيا، فاغتر بما في يده، وظن أنه من سعيه وعلمه وجهده. فكانت النتيجة

فخسفنا به وبداره الأرض..

[القصص: 81] لينبه الناس جميعا أن المال ليس مال صاحبه، إنما هو مستخلف فيه، ولو كان ماله لحافظ عليه، فالحق يرد الناس بالأحداث إلى طبيعة الفطرة الخلافية، لأن فساد الكون يأتي من اعتبار الإنسان نفسه أصيلا في الكون. وسبق أن قلنا: إن الإنسان إذا نظر في الكون نظرة فاحصة عادلة لعلم ما يأتي: أن كل شيء لم تتدخل فيه يد الإنسان سليم، ويؤدي مهمته على أكمل وجه، وأن كل فساد في الكون إنما هو من تدخل الإنسان فيه بغير قانون ربه، ولو تدخل فيه بقانون ربه لصلحت له الأشياء التي تدخل فيها، كما صلحت له الأشياء التي لم يتدخل فيها. وقلنا: إنك إذا رأيت عوارا في الكون فاعلم أنه نتيجة حق مضيع من حقوق الله، فحين ترى فقيرا يتضور جوعا أو عريانا لا يملك ما يستر عورته، فاعلم أن الأغنياء قصروا في أداء حق الله في الزكاة لأن الله تعالى شرعها بحساب، فلو أن القادر أخرج الزكاة المفروضة في ماله لما بقي في المجتمع المحيط به محتاج. ثم يريد منا الحق سبحانه أن نحافظ في نفوسنا على إيمان الفطرة، وعلى الذرة الإيمانية الأولى التي لم تدخلها الشهوة، ولم يخالطها النسيان، هذه الذرة التي شهدت العهد الأول الذي قال الله فيه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٠٥