تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[السجدة: 10] فالحق الذي قال أنا خلقت الإنسان لم يقل وأنا سأعدمه إنما سأتوفاه، فهو عندي كامل بروحه وبذراته التكوينية، والذي خلق في البدء قادر على الإعادة، وجمع الذرات التي تشتتت. وقوله عن ملك الموت ﴿ الذي وكل بكم.. ﴾ [السجدة: 11] أي: يرقبكم ولا يغفل عنكم، يلازمكم ولا ينصرف عنكم، بحيث لا مهرب منه ولا فكاك، كما قال أهل المعرفة: الموت سهم انطلق إليك فعلا، وعمرك بمقدار سفره إليك، فهو واقع لا محالة. كما قلنا في المصيبة وأنها ما سميت مصيبة إلا أنها ستصيبك لا محالة. وقوله: ﴿ ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ [السجدة: 11] أي: يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون... ﴾.

32.12

تصور لنا هذه الآية مشهدا من مشاهد يوم القيامة، يوم يساق المجرم ذليلا إلى ما يستحق من العذاب، كأن ترى مجرما مثلا تسوقه الشرطة وهو مكبل بالقيود يذوق الإهانة والمذلة، فتشفى نفسك حين تراه ينال جزاءه بعد أن أتعب الدنيا وأداخ الناس. وفي هذا المشهد يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أول مخاطب، ثم يصبح خطابا لأمته: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم.. ﴾ [السجدة: 12] أي: حالة وجودهم أنهم ناكسو رءوسهم. وتقدير جواب الشرط: لرأيت أمرا عجيبا يشفي صدرك مما فعلوه بك. ونلحظ في هذا الأسلوب دقة الأداء في قوله تعالى: ﴿ ولو ترى.. ﴾ [السجدة: 12] فلم يقل مثلا: ولو تعلم لأن إخبار الله كأنه رؤيا العين، فحين يخبرك الله بأمر، فاعلم أنه أصدق من عينك حين ترى لأن عينك قد تخدعك، أما إخبار الله لك فهو الحق. ومعنى ﴿ ناكسوا رءوسهم.. ﴾ [السجدة: 12] النكس هو جعل الأعلى أسفل، والرأس دائما في الإنسان أعلى شيء فيه. وقد وردت هذه المادة في قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام حين حطم الأصنام، وعلق الفأس على كبيرهم:

ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون

[الأنبياء: 65]. فبعد أن عادوا إلى رشدهم واتهموا أنفسهم بالظلم انتكسوا وعادوا إلى باطلهم، فقالوا:

لقد علمت ما هؤلاء ينطقون

[الأنبياء: 65]. وورد هذا اللفظ أيضا في قوله تعالى:

ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون

[يس: 68]. والمعنى: نرجعه من حال القوة والفتوة إلى حال الضعف والهرم وعدم القدرة، كما قال سبحانه:

ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا..

[النحل: 70]. فبعد القوة يتكئ على عصا، ثم لا يستطيع السير فيحبو، أو يحمل كما يحمل الطفل الصغير، هذا هو التنكيس في الخلق، وحين نتأمله نقول: الحمد لله لو عافانا من هذه الفترة وهذه التنكيسة، ونعلم أن الموت لطف من الله ورحمة بالعباد، ألا ترى أن من وصل إلى هذه المرحلة يضيق به أهله، وربما تمنوا وفاته ليستريح وليستريحوا؟ وتنكيس رءوس المجرمين فيه إشارة إلى أن هذه هي العاقبة فاحذر المخالفة، فمن تكبر وتغطرس في الدنيا نكست رأسه في الآخرة، ومن تواضع لله في الدنيا رفعت رأسه، وهذا معنى الحديث الشريف: " من تواضع لله رفعه ". وفي تنكيس رءوس المجرمين يوم القيامة معنى آخر لأن الحق - سبحانه وتعالى - سيفعل في كل مخالف في الآخرة من جنس ما فعل في الدنيا، وهؤلاء الذين نكس الله رءوسهم في الاخرة فعلوا ذلك في الدنيا، واقرأ إن شئت قول ربك:

ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه..

[هود: 5]. أي: يطأطئون رءوسهم لكي لا يواجهوا رسول الله، فللحق صولة وقوة لا يثبت الباطل أمامها لذلك نسمع من أصحاب الحق: تعال واجهني، هات عيني في عينك، ولا بد أن يستخزي أهل الباطل، وأن يجبنوا عن المواجهة لأنها ليست في صالحهم. وهذا العجز عن المواجهة يدعو الإنسان إلى ارتكاب أفظع الجرائم، ويصل به إلى القتل، والقتل لا يدل على القوة، إنما يدل على عجز وضعف وجبن عن المواجهة، فالقاتل أقر بأنه لا يستطيع أن يواجه حياة عدوه فقتله، ولو كان قويا لواجه حياته. ومن العذاب الذي يأتي من جنس ما فعل الإنسان في الدنيا قول الله تعالى في الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٩٠