32.10
معنى ﴿ ضللنا في الأرض.. ﴾ [السجدة: 10] أي: غبنا فيها، واندثرت ذراتنا، بحيث لا نعرف أين ذهبت، وإلى أي شيء انتقلت، إلى حيوان أم إلى نبات؟ إذا حدث هذا ﴿ أئنا لفي خلق جديد.. ﴾ [السجدة: 10] يعني: أيخلقنا الله من جديد مرة أخرى؟ والحق سبحانه يرد عليهم: ﴿ بل هم بلقآء ربهم كافرون ﴾ [السجدة: 10] بل تفيد الإضراب عن كلامهم السابق، وتقرير حقيقة أخرى، هي أنهم لا ينكرون البعث والحشر، إنما ينكرون لقاء الله ﴿ بل هم بلقآء ربهم كافرون ﴾ [السجدة: 10] لأن مسألة الحشر مستحيل أن ينكروها لأن الدليل عليها واضح. كما قال سبحانه:
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد
[ق: 15] والذي خلق من العدم أولا قادر على الإعادة من موجود، لأن ذراتك وخاماتك موجودة، فالإعادة أسهل من البدء لذلك قال سبحانه:
وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه..
[الروم: 27]. إذن: تكذيبهم ليس للبعث في حد ذاته، إنما للقاء الله وللحساب، لكنهم ينكرون البعث لأنه يؤدي إلى لقاء الله، وهم يكرهون لقاء الله، فينكرون المسألة من بدايتها.
32.11
تلحظ هنا أنهم يتكلمون عن البعث
وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد..
[السجدة: 10] ومعلوم أن البعث إيجاد حياة، فإذا بالقرآن يحدثهم عن الوفاة، وهي نقض للحياة، ليذكرهم بهذه الحقيقة. ومعنى ﴿ يتوفاكم.. ﴾ [السجدة: 11] من توفيت دينا من المدين. أي: أخذته كاملا غير منقوص، والمراد هنا الموت، والتوفي ينسب مرة إلى الله عز وجل:
الله يتوفى الأنفس حين موتها
[الزمر: 42] وينسب لملك الموت
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم..
[السجدة: 11] وينسب إلى أعوانه من الملائكة
حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون
[الأنعام: 61]. لأن مسألة الموت أمرها الأعلى بيد الخالق سبحانه، فهو وحده واهب الحياة، وهو وحده صاحب الأمر في نقضها وسلبها من صاحبها لذلك حرم الله القتل، وجعل القاتل ملعونا لأنه يهدم بنيان الله، فإذا قدر الله على إنسان الموت إذن لملك الموت في ذلك، وهو عزرائيل. إذن: هذه المسألة لها مراحل ثلاث: التوفي من الله يأمر به عزرائيل، ثم يأمر عزرائيل ملائكته الموكلين بهذه المسألة، ثم ينفذ الملائكة هذا الأمر. وتأمل لفظة
توفته رسلنا..
[الأنعام: 61] أي: أخذته كاملا، فلم يقل: أعدمته مثلا لذلك نقول قبضت روحه أي: ذهبت إلى حيث كانت قبل أن تنفخ فيه، ذهبت إلى الملأ الأعلى، ثم تحلل الجسد وعاد إلى أصله، وذاب في الأرض، جزئية هنا وجزئية هناك، كما قالوا:
أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد..
[السجدة: 10]. فالذي يتوفى لم يعدم، إنما هو موجود وجودا كاملا، روحه وجسده، والله قادر على إعادته يوم القيامة لذلك لم يقل أعدمنا. وهذه المسألة تحل لنا إشكالا في قصة سيدنا عيسى - عليه السلام - فقد قال الله فيه:
إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي..
[آل عمران: 55]. فالبعض يقول: إنه عليه السلام توفي أولا، ثم رفعه الله إليه. والصواب أن واو العطف هنا تفيد مطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى:
وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم..
[الأحزاب: 7]. والخطاب هنا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونوح عليه السلام قبله. فالمعنى هنا أن الله تعالى قدم الوفاة على الرفع، حتى لا يظن أحد أن عيسى - عليه السلام - تبرأ من الوفاة، فقدم الشيء الذي فيه شك أو جدال، وما دام قد توفاه الله فقد أخذه كاملا غير منقوص، وهذا يعني أنه لم يصلب ولم يقتل، إنما رفعه الله إليه كاملا. وقوله تعالى: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت.. ﴾ [السجدة: 11] جاءت ردا على قولهم:
أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد..