تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم يقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفار مكة:

" اذهبوا فأنتم الطلقاء "

فكأن الله عز وجل يقول للخير: اجلس أنت واسترح، واترك الأشرار لي، فسوف أرسل عليهم من هو أشر منهم ليؤدبهم. واختار الحق هنا حاسة السمع ﴿ أفلا يسمعون ﴾ [السجدة: 26] لأنها وسيلة الإدراك المناسبة للموقف، فبها نسمع ما يحكى عن الظالمين وبها نعتبر، وفي موضع آخر سيقول

أفلا يبصرون

[السجدة: 27] ويقول:

أفلا يعقلون

[يس: 68] فينوع لنا، ويقلب كل وسائل الإدراك لينبهنا من خلالها. والمعنى ﴿ أفلا يسمعون ﴾ [السجدة: 26] ما يروى لهم عن مصارع الظالمين، لقد نبهناهم وذكرناهم، ومع ذلك أشركوا وجعلوا سمعهم ودن من طين، وودن من عجين.

32.27

أولا لك أن تلحظ هنا توافق النسق القرآني بين صدر الآيات وعجزها، ففي الآية السابقة قال سبحانه

أولم يهد لهم..

[السجدة: 26] أي: يدل ويرشد، والكلام فيها عن قصص تاريخي، فناسبها

أفلا يسمعون

[السجدة: 26] أما هنا فالكلام عن مشاهد مرئية، فناسبها ﴿ أفلا يبصرون ﴾ [السجدة: 27] فهذا ينبغي أن يسمع، وهذا ينبغي أن يرى. وفي الآية السابقة قال سبحانه

أهلكنا..

[السجدة: 26] لنعتبر بإهلاك المكذبين في الماضي، أما هنا فيلفتنا إلى آية من آياته في الكون، فيأتي الفعل ﴿ نسوق المآء.. ﴾ [السجدة: 27] بصيغة المضارع الدال على التجدد والاستمرار، ففي كل الأوقات يسوق الله السحب، فينزل منها المطر على الأرض الجرز أي: المجدبة، فتصبح مخضرة بأنواع الزروع والثمار، وهذه آية مستمرة نراها جميعا، ولا تزال في الحال وفي الاستقبال، ولأن هذه الآية واقعة الآن تحتاج منا المشاهدة والتأمل قال في ختامها ﴿ أفلا يبصرون ﴾ [السجدة: 27]. وفي موضع آخر قال سبحانه:

إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا

[الكهف: 7-8] فالجرز هي الأرض المقطوع منها النبات، إما لأن الماء شح عليه فجف، وإما أنه استحصد فحصدوه. ومعنى ﴿ نسوق المآء.. ﴾ [السجدة: 27] السوق: حث بسرعة لذلك تقول للذي يتعجلك ما لك سايقنا كده، ومعلوم أن السوق يكون من الوراء، على خلاف القيادة، فهي من الأمام، فالذي تسوقه تسوقه وهو أمامك، تراه فلا يتفلت منك، ولو كان خلفك فهو عرضة لأن يهرب منك، فلا تشعر به. والسوق مرة يكون للسحاب، كما في قول الله تعالى

والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت..

[فاطر: 9]. ومرة يكون السوق للماء نفسه كما في هذه الآية، وسوق الماء له عدة مظاهر: فالله يسوق الماء من السحاب إلى الأرض، فإذا نزل إلى الأرض ساقه في الأنهار، أو سلكه ينابيع في الأرض ليحتفظ لنا به لحين الحاجة إليه. فربنا - عز وجل - جعل لنا خزانات للماء تحت الأرض، لا لنحرم منه حين يوجد، لكن لنجده حين يفقد، وكون الماء ينابيع في الأرض يجعلنا نتغلب على مشاكل كثيرة، فالأرض تحفظه لنا، فلا يتبخر ولا نحتاج إلى بناء السدود وغيرها، مما يحفظ لنا الماء العذب. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيا - أرض خصبة - قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فشرب الناس منه وسقوا أنعامهم وزروعهم، وكان منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ".

فهذه أنواع ثلاثة من الأرض تمثل انتفاع الناس بالعلم، فالأولى تمسك الماء، وتخرج الزرع، والثانية تمسك الماء حتى ينتفع الناس به، ولك أن تسأل: فما فائدة الثالثة: القيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ؟ ولماذا خلقها الله إذن؟ نقول: هذه القيعان هي التي تسلك الماء في باطن الأرض، وصدق الله:

فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٠٩