تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32.7

الخلق إيجاد من عدم بحكمة، ولغاية ومهمة مرسومة، وليس عبثا هكذا يخلق الأشياء كما اتفق، فالخالق - عز وجل - قبل أن يخلق يعلم ما يخلق، ويعلم المهمة التي سيؤديها لذلك يخلق سبحانه على مواصفات تحقق هذه الغاية، وتؤدي هذه المهمة. وقد يخيل لك أن بعض المخلوقات لا مهمة لها في الحياة، أو أن بعضها كان من الممكن أن يخلق على هيئة أفضل مما هي عليها. ونذكر هنا الرجل الذي تأمل في كون الله فقال: ليس في الإمكان أبدع مما كان. والولد الذي رأى الحداد يأخذ عيدان الحديد المستقيمة، فيلويها ويعوجها، فقال الولد لأبيه: لماذا لا يترك الحداد عيدان الحديد على استقامتها؟ فعلمه الوالد أن هذه العيدان لا تؤدي مهمتها إلا باعوجاجها، وتأمل مثلا الخطاف وآلة جمع الثمار من على الأشجار، إنها لو كانت مستقيمة لما أدت مهمتها. وفي ضوء هذه المسألة نفهم الحديث النبوي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم - عن النساء:

" إنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء ".

وحين تتأمل الضلوع في قفصك الصدري تجد أنها لا تؤدي مهمتها في حماية القلب والرئتين إلا بهذه الهيئة المعوجة التي تحنو على أهم عضوين في جسمك، فكأن هذا الاعوجاج رأفة وحنو وحماية، وهكذا مهمة المرأة في الحياة، ألا تراها في أثناء الحمل مثلا تترفق بحملها وتحافظ عليه، وتحميه حتى إذا وضعته كانت أشد رفقا، وأكثر حنانا عليه؟ إذن: هذا الوصف من رسول الله ليس سبة في حق النساء، ولا إنقاصا من شأنهن لأن هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المتمم لمهمتها لذلك نجد أن حنان المرأة أغلب من استواء عقلها، ومهمة المرأة تقتضي هذه الطبيعة، أما الرجل فعقله أغلب ليناسب مهمته في الحياة، حيث يناط به العمل وترتيب الأمور فيما ولي عليه. إذن: خلق الله كلا لمهمة، وفي كل منا مهما كان فيه من نقص ظاهر - ميزة يمتاز بها، فالرجل الذي تراه لا عقل له ولا ذكاء عنده تقول: ولماذا خلق الله مثل هذا؟ لكن تراه قوي البنية، يحمل من الأثقال والمشاق ما لا تتحمله أنت، والرجل القصير مثلا، ترى أنت عيبه في قصر قامته، لكن يراها غيرك ميزة من مزاياه، وربما استدعاه للعمل عنده لهذه الصفة فيه. وحين تتأمل مثلا عملية التعليم، وتقارن بين أعداد التلاميذ في المرحلة الابتدائية، وكم منهم يصل إلى مرحلة التعليم العالي. وكم منهم يتساقطون في الطريق؟ ولو أنهم جميعا أخذوا شهادات عليا لما استقام الحال، وإلا فمر للمهن المتواضعة والحرف وغيرها.

إذن: لا بد أن يوجد هذا التفاوت لأن العقل الواحد يحتاج إلى آلاف ينفذون خطته، وقيمة كل امرئ ما يحسنه مهما كان عمله. لذلك قلنا: إنه لا ينبغي لأحد أن يتعالى على أحد لأنه يمتاز عنه في شيء ما، إنما ينظر فيما يمتاز به غيره لأن الخالق عز وجل وزع المواهب بين الخلق جميعا، ويكفي أن تقرأ قول الحق سبحانه:

يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم..

[الحجرات: 11]. فالله تعالى: ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه.. ﴾ [السجدة: 7] لأن لكل مخلوق مهمة مهيأ لها، وتعجب من تصاريف القدر في هذه المسألة فتجد أخوين، يعمل أحدهما في العطور، ويعمل الآخر في الصرف الصحي، وتجد هذا راضيا بعمله، وهذا راض بعمله. حتى أنك تجد الناس الذين خلقهم الله على شيء من النقص أو الشذوذ حين يرضى الواحد منهم بقسمة الله له وقدره فيه يسود بهذا النقص، أو بهذا الشذوذ، وبعضنا لاحظ مثلا الأكتع إذا ضرب شخصا بهذه اليد الكتعاء، كم هي قوية! وكم يخافه الناس لأجل قوته! وربما يجيد من الأعمال ما لا يجيده الشخص السوي. فإن قلت: إذا كان الخالق سبحانه أحسن كل شيء خلقه، فما بال الكفر، خلقه الله وما يزال موجودا، فأي إحسان فيه؟ نقول: والله لولا طغيان الكافرين ما عشق الناس الإيمان، كما أنه لولا وجود الظلم والظالمين لما شعر الناس بطعم العدل. إذن: فالحق سبحانه يخلق الشيء، ويخلق من ضده دافعا له. ثم يقول سبحانه: ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ [السجدة: 7] فالإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات بدأه الله من الطين، وهو أدنى أجناس الوجود، وقلنا: إن جميع الأجناس تنتهي إلى خدمة الإنسان. الحيوان وهو أقربها للإنسان، ثم النبات، ثم الجماد، ومن الجماد خلق الإنسان. وقد عوض الله عز وجل الجماد الخادم لباقي الأجناس حين أمر الإنسان المكرم بأن يقبله في فريضة كتبت عليه مرة واحدة في العمر، وهي فريضة الحج، فأمره أن يقبل الحجر الأسود، وأن يتعبد لله تعالى بهذا التقبيل لذلك يتزاحم الناس على الحجر، ويتقاتلون عليه، وهو حجر، وهم بشر كرمهم الله، وما ذلك إلا ليكسر التعالي في النفس الإنسانية، فلا يتعالى أحد على أحد. وسبق أن بينا أن المغرضين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله قالوا: إن الله تعالى قال في مسألة الخلق مرة

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٨٤