وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
[الأعراف: 173]. أي: قبل أن تأخذكم شهوات الدنيا ونسيانها فتنكروا هذه الشهادة، وتقولون:
إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون
[الأعراف: 172-173]. فالذي يحافظ على هذه الذرة، وعلى هذه اللمسة الربانية التي وضعها الله فيه بيده، وعلى العهد الذي أخذه الله عليه يبقى له نور هذه الفطرة، وتظل هذه النورانية متأججة في نفسه، فإن أهملها طمستها الذنوب والغفلة.
لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل فيقول:
" تعرض الأمانة - أي: التكاليف الاختيارية من الله - على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تكون على قلبين: أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا ممقوتا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا ".
فالطاعات أو الذنوب تتراكم على القلب كما تصف عيدان الحصير عودا بجوار عود، فيبيض القلب بالطاعات، أو يسود بالمعاصي. والإنسان منه مادة ومنه روح، الروح في المادة تعطيها الحياة والحركة والفهم والفكر والتصرف، وهما قبل أن يلتقيا كانا مسبحين لله تعالى، فكل شيء في الوجود مسبح
كل قد علم صلاته وتسبيحه..
[النور: 41]. وعلى الإنسان أن يفهم هذه الحقيقة، وأن يحافظ على الطبيعة الإيمانية في ذراته ومكوناته لتظل مشرقة نيرة بنور الإيمان، فإن غفل عن هذه الطبيعة حدثت الأغيار، وحدث عدم الانسجام بين ذراته في الذات البشرية، فحين تحمل إرادتك الجسم والروح على المعصية يكرهك جسمك، وتكرهك روحك لأنك خالفت منهج خالقها - عز وجل - فهي مسبحة عابدة وأنت لاه غافل عاص لذلك تلعنك روحك وتلعنك أبعاضك. ومن رحمة الله بالعاصي أن ينام فترتاح أبعاضه، وترتاح روحه من معاصيه، وتأخذ راحتها في عبادة ربها، حيث لا منازع لها، ولا معاند من إرادة صاحبها، لذلك يشعر الإنسان بالراحة عند النوم، ويقوم منه نشيطا لما حدث من انسجام وتعادل بين ذرات ذاته أثناء النوم. لذلك ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عينه ولا ينام قلبه لأن أبعاضه منسجمة دائما في نومه وفي يقظته، فإذا رأيت إنسانا يغلب عليه أنه منهك القوى فاعرف أنه قد أتعب ذراته، وأنها تود الخلاص منه بالنوم، وكأنها تقول له نم فلم تعد صالحا للتعايش معي. إذن: الحق سبحانه ينبهنا دائما من هذه الغفلة بواسطة الرسل، ثم يترك سبحانه للرسالات التي سبقت أدلة تؤيد الرسل الموجودين، وتعينهم على أداء مهمتهم لذلك يقول لنا: انظروا إلى الرسل الذين سبقوا، وكيف كانت عاقبة المكذبين بهم. ﴿ أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون.. ﴾ [السجدة: 26] كما قال سبحانه:
ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد
[الفجر: 6-10]. فهذه الأهرامات التي يفد إليها الناس، والتي تعد مزارا سياحيا هي آية من آيات الله تقوم دليلا على هلاك أصحابها من المكذبين للرسل، فالحق سبحانه لم يترك لأحد من خلقه عذرا بعد أن كشف له الآيات الكونية تشهد بوحدانيته تعالى وألوهيته، والمعجزات التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ثم آيات الأحكام التي تحمل أقضية الحياة، والتي لا يمكن لبشر أن يستدرك عليها، والتي تحمل الحل الشافي والدواء الناجع لكل داءات المجتمع.
وبعد ذلك تركت لهم تكذيب المكذبين أمام أعينهم، كما قال سبحانه:
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون