32.29
أي: لم تسألون عن يوم الفتح؟ وماذا ينفعكم العلم به؟ إن يوم الفتح إذا جاء أسدل الستار على جرائمكم، ولن تنفعكم فيه توبة أو إيمان، ولن ينظركم الله إلى وقت آخر. ومعلوم أن الإيمان لا ينفع صاحبه إلا إذا كانت لديه فسحة من الوقت، أما الإيمان الذي يأتي في النزع الأخير، وإذا بلغت الروح الحلقوم فهو كإيمان فرعون الذي قال حين أدركه الغرق:
قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين
[يونس: 90] فرد الله عليه هذا الإيمان
آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين
[يونس: 91]. الآن لا ينفع منك إيمان لأنك مقبل على الله، وقد فات أوان العمل، وحل أوان الحساب، الإيمان أن تؤمن وأنت حريص صحيح تستقبل الحياة وتحبها، الإيمان أن تؤمن عن طواعية. ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ [السجدة: 29] أي: ليس لكم الآن إمهال لأن الذي خلقكم يعلم سرائركم، ويعلم أنه سبحانه لو أمهلكم لعدتم لما كنتم عليه
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون
[الأنعام: 28]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فأعرض عنهم وانتظر... ﴾.
32.30
هذا المعنى كما نقول في العامية اديني عرض كتافك أي: انصرف عنهم، فلم يعد بينك وبينهم لقاء، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل الإقناع، ولم يبق لهم إلا السيف يردعهم، على حد قول الشاعر:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا
فإن لم يغن أغنت عزائمه
فقد بلغهم رسول الله وأنذرهم، لقد بشرهم بالجنة لمن آمن، وحذرهم النار لمن كفر فلم يسمعوا. إذن:
فما هو إلا الوحي أو حد مرهف
فالعاقل الوحي يقنعه، والجاهل السيف يردعه. وقوله سبحانه: ﴿ وانتظر.. ﴾ [السجدة: 30] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة، وقلنا: إن وعد الله محقق، حيث لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده، أما الإنسان فعليه حين يعد أن يتنبه إلى بشريته، وأنه لا يملك شيئا من أسباب تنفيذ ما وعد به. لذلك يعلمنا ربنا:
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 24] وتعليق أمرك على مشيئة الله عز وجل يحميك أن تكون كاذبا إذا لم تف بما وعدت به، فأسباب الوفاء بالوعد لا يملكها البشر، إنما يملكها خالق البشر سبحانه، فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق لا محالة. وقلنا: إنك حين تقول لصاحبك مثلا: سأقابلك غدا أو سأفعل لك كذا وكذا، نعم أنت صادق وتنوي الوفاء، لكنك لا تملك في الغد سببا واحدا من أسباب الوفاء، فلربما طرأ لك طارئ، أو منعك مانع، وربما تغير رأيك.. إلخ. وفرق بين انتظار رسول الله حين ينفذ أمر ربه ﴿ وانتظر.. ﴾ [السجدة: 30] وبين ﴿ إنهم منتظرون ﴾ [السجدة: 30] فانتظار رسول الله لشيء محقق، له رصيد من القوة والقدرة، أما انتظارهم فتسويل نفس ووسوسة شيطان، لا رصيد لها من قوة إنفاذ. ومعنى
إنهم منتظرون
[السجدة: 31] أي: ينتظرون أن يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يمنعه من تبليغ رسالة ربه، وهذا حمق منهم، فقد كان عليهم أن يعلموا أن الرسول مؤيد من الله مرسل من قبله لهدايتهم، وما كان الله تعالى ليرسل رسولا ثم يسلمه أو يخذله، فسنة الله في الرسل أن لهم الغلبة مهما قويت شوكة المعاندين لهم. إذن: لا سبيل إلى ذلك، ولا سبيل أيضا إلى الخلاص منه أو حتى تخويفه ليرتدع، ويدع ما يدعو إليه من منهج ربه. وقد ورد هذا الانتظار في موضع آخر بلفظ التربص في قوله تعالى:
تربصوا فإني معكم من المتربصين
[الطور: 31]. وفي قوله تعالى:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين..
[التوبة: 52] أي: ماذا تنتظرون منا ونحن أمام حسنيين: إما النصر والغلبة عليكم، وساعتها ندحركم ونذلكم.
أو الشهادة التي تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة
ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا..