تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32.4

يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما لخدمة الإنسان، وهو المكرم الأول في هذا الكون، وجميع الأجناس في خدمته حيوانا ونباتا وجمادا، فهو سيد في هذا الكون، لكن هل أخذ هذا السيد سيادته بذاته وبفعله؟ لا إنما أخذها بفضل الله عليه، فكان عليه أولا أن يشكر من أعطاه هذه السيادة على غيره. وهذا السيد عمره ومروره في الحياة عبور، فعمره فيها يطول أو يقصر ينتهي إلى الموت، في حين أن الجمادات التي تخدمه عمرها أطول من عمره، وهي خادمة له، فكان لزاما عليه أن يتأمل هذه المسألة: كيف يكون عمر الخادم أطول وأبقى من عمر السيد المخدوم؟ إذن: لا بد أن لي عمرا آخر أطول من هذا، عمرا يناسب تكريم الله لي، ويناسب سيادتي في هذا الكون، إنها الآخرة حيث تندثر هذه المخلوقات التي خدمتني في الدنيا وأبقى أنا، لا أعيش مع الأسباب، إنما مع المسبب سبحانه، فلا أحتاج إلى الأسباب التي خدمتني في الدنيا، إنما أجد كل ما أشتهيه بين يدي دون تعب ودون سعي، وهذه ارتقاءات لا تكون إلا لمن يطيع المرقى المعطي. لذلك، الحق - سبحانه وتعالى - يلفتنا ويقول: صحيح أنت أيها الإنسان سيد هذا الكون وكل مخلوقاتي في خدمتك، لكن خلقها أكبر من خلقك:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57]. لماذا؟ لأن للناس أعمارا محددة، مهما طالت لا بد أن تنتهي إلى أجل، ثم إن هذه الأعمار لا تسلم لهم، إنما تنتابها الأغيار، فالغني قد يفتقر، والصحيح قد يمرض، والقوي قد يضعف، أما الشمس والقمر والنجوم والكون كله فلا يتعرض لهذه الأغيار فما رأينا الشمس أو القمر أو النجوم أصابتها علة وانتهت كانتهاء الإنسان، ثم أنت لست مثلها في العظمة المستوعبة لأن قصارى ما فيك أنك تخدم نفسك أو تخدم البيئة التي حولك، أما هذه المخلوقات فتخدم الكون كله. فإذا أقر - حتى الكفار - بأن الله تعالى هو خالق السماء والأرض إذن: فهي دليل أول على وجود الحق تبارك وتعالى. ومسألة خلق السماوات والأرض من الأشياء التي استأثر الله بعلمها وليس لأحد أن يقول: كيف خلقت ولا حتى كيف خلق الإنسان لأن مسائل الخلق لم يشهدها أحد فيخبرنا بها لذلك يقول تعالى:

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51]. فسماهم الله مضلين، والمضل هو الذي يجنح بك إلى طريق باطل، ويصرفك عن الحق، وقد رأينا فعلا هؤلاء المضلين وسمعنا افتراءاتهم في مسألة خلق السماوات والأرض. إذن: خلق السماوات والأرض مسألة لا توخذ إلا ممن خلق لذلك قص لنا ربنا - تبارك وتعالى - قصة خلق آدم، وقص لنا قصة خلق السماوات والأرض، لكن الخلق حدث وفعل، والفعل يحتاج إلى زمن تعالج فيه الحدث وتزاوله، والإشكال هنا في قوله تعالى { في ستة أيام.

. } [السجدة: 4]. فهل الحدث بالنسبة لله تعالى يحتاج إلى زمن؟ الفعل من الإنسان يحتاج إلى علاج يستغرق زمنا، حيث نوزع جزئيات الفعل على جزئيات الزمن، أما في حقه تعالى فهو سبحانه يفعل بلا علاج للأمور، إنما يقول: للشيء كن فيكون، أما قوله تعالى: ﴿ في ستة أيام.. ﴾ [السجدة: 4] فقد أوضحناها بمثال، ولله المثل الأعلى. قلنا: أنت حين تصنع الزبادي مثلا تأتي بالحليب، ثم تضع عليه خميرة زبادي سبق إعداده، ثم تتركه في درجة حرارة معينة سبع أو ثماني ساعات بعدها تجد الحليب قد تحول إلى زبادي، فهل تقول: إن صناعة الزبادي استغرقت مني سبعا أو ثماني ساعات؟ لا، إنها استغرقت مجرد إعداد المواد اللازمة، ثم أخذت هذه المواد تتفاعل بعضها ببعض، إلى أن تحولت إلى المادة الجديدة. كذلك الحق - تبارك وتعالى - خلق السماوات والأرض بأمره كن، فتفاعلت هذه الأشياء مكونه السماوات والأرض. ومسألة خلق السماوات والأرض في ستة أيام عولجت في سبع سور من القرآن، أربع منها تكلمن عن خلق السماوات والأرض ولم تتعرض لما بينهما، وثلاث تعرضت لخلق السماوات والأرض وما بينهما، ففي الأعراف مثلا، وفي يونس، وهود، والحديد. تعرضت الآيات لخلق السماوات والأرض فقط. وفي الفرقان والسجدة وق. فتكلمت عن البينية، فكأن السماوات والأرض ظرف خلق أولا، ثم خلق المظروف في الظرف، وهذا هو الترتيب المنطقي أن تعد الظرف أولا، ثم تضع فيه المظروف. وقوله تعالى: ﴿ في ستة أيام.. ﴾ [السجدة: 4] الله يخاطب بهذه الآيات العرب، واليوم له مدلول عند العرب مرتبط بحركة الشمس والقمر، فكيف يقول سبحانه ﴿ في ستة أيام.. ﴾ [السجدة: 4] ولم تخلق بعد لا الشمس ولا القمر؟ نقول: المعنى خلقها في زمن يساوي ستة أيام بتقديرنا نحن الآن، وإلا فاليوم عند الله تعالى يختلف عن يومنا، ألم يقل سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٨٠