وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون
[الحج: 47] أي: في الدنيا. وقال عن اليوم في الآخرة:
تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
[المعارج: 4] فلله تعالى تقدير لليوم في الدنيا، ولليوم في الآخرة. والحق سبحانه لم يفصل لنا مسألة الخلق هذه إلا في سورة فصلت فهي التي فصلت القول في خلق السماوات والأرض، وهذه من عجائب هذه السورة. فقال تعالى:
قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام..
[فصلت: 9-10] هذه ستة أيام.
ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين..
[فصلت: 11-12] وهكذا يصبح المجموع ثمانية أيام. إذن: كيف نوفق بين ستة أيام في الإجمال، وثمانية أيام في التفصيل؟ قالوا: الأعداد يحمل مجملها على مفصلها لأن المفصل تستطيع أن تضم بعضه إلى بعض، أما المجمل فهو النهاية. وأعد معي قراءة الآيات:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها..
[فصلت: 9-10] وهذا كله من لوازم الأرض
في أربعة أيام..
[فصلت: 10] أي: أن هذه اللوازم تابعة لما قبلها. فالمعنى: في تتمة أربعة أيام، فاليومان الأولان داخلان في الأربعة، كما لو قلت: سرت من القاهرة إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين، فالساعة الأولى محسوبة من هاتين الساعتين. فالحق سبحانه خلق الأرض في يومين، وخلق ما يلزمها في تتمة الأربعة الأيام، فالزمن تتمة للزمن لأن الحدث يتمم الحدث، إذن: المحصلة النهائية ستة أيام، وليس هناك خلاف بين الآيات
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
[النساء: 82] ومن العجيب أن يأتي هذا التفصيل في فصلت. وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى على العرش.. ﴾ [السجدة: 4] الحق - تبارك وتعالى - يخاطب الخلق بما يقرب الأشياء إلى أذهانهم لأن الملوك أو أصحاب الولاية في الأرض لا يستقرون على كراسيهم إلا بعد أن يستتب لهم الأمر. فمعنى ﴿ استوى.. ﴾ [السجدة: 4] صعد وجلس واستقر، كل هذه المعاني تناسب الآية، لكن في إطار قول الحق سبحانه وتعالى
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. فكما أن لله تعالى وجودا ليس كوجودك، وسمعا ليس كسمعك، وفعلا ليس كفعلك، فكذلك له سبحانه استواء، لكن ليس كاستوائك، وإذا دخلت حجرة الجلوس مثلا عند شيخ البلد وعند العمدة والمحافظ ورئيس الجمهورية ستجد مستويات متباينة، كل على حسب ما يناسبه، فإذا كان البشر يتفاوتون في الشيء الواحد، فهل نسوى بينا وبين الخالق عز وجل؟ فالمعنى إذن ﴿ ثم استوى على العرش.. ﴾ [السجدة: 4] استتب له أمر الخلق، ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع.. ﴾ [السجدة: 4] الولي: من يليك، ويكون قريبا منك، وإليه تفزع في الأحداث، فهو ملجؤك الأول. والشفيع: الذي يشفع لك عند من يملك أمرك، فالولي هو الذي ينصرك بنفسه، أما الشفيع فهو يتوسط لك عند من ينصرك، فليس لك ولي ولا شفيع من دون الله عز وجل. لذلك يقول سبحانه:
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه..
[الإسراء: 67] فلا أحد ينجيكم، ولا أحد يسعفكم إلا الله ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ [السجدة: 4]. كأن هذه المسألة يجب أن تكون على بالك دائما، فلا تغفل عن الله لأنك ابن أغيار، والأحداث تتناوبك، فلا يستقر بك حال، فأنت بين الغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف.
لذلك تذكر دائما أنه لا ولي ولا نصير لك إلا الله، وإذا استحضرت ذلك دائما اطمأن قلبك، ولم لا وأنت تستند إلى ولي وإلى نصير لا يخذلك أبدا، ولا يتخلى عنك لحظة، فإذا خالط هذا الشعور قلبك أقبلت على الأحداث بجسارة، وإذا أقبلت على الحدث بجسارة لم يأخذ الحدث من قوتك شيئا لأن الذي يخاف الأحداث يضعف قوته الفاعلة. فمثلا صاحب العيال الذي يخاف الموت فيتركهم صغارا لا عائل لهم لو راجع نفسه لقال لها: ولم الخوف على العيال من بعدي، فهل أنا خلقتهم، أم لهم خالق يرعاهم ويجعل لهم من المجتمع الإيماني آباء متعددين؟ لو قال لنفسه ذلك ما اهتم لأمرهم، وصدق الذي قال مادحا: أنت طرت باليتم إلى حد الكمال وقال آخر: