ثم يقول سبحانه: ﴿ لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك.. ﴾ [السجدة: 3] ومعلوم أن سيدنا رسول الله جاء بشيرا ونذيرا، لكن خص هنا النذير لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة، وإصلاح الفاسد لا بد أن يسبق ما يبشر به، ولم يأت ذكر البشارة هنا لأنهم ما سمعوا للنذارة، وما استفادوا بها. لكن قوله تعالى: ﴿ مآ أتاهم من نذير من قبلك.. ﴾ [السجدة: 3] تصطدم لفظيا بقوله تعالى:
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
[فاطر: 24] وقوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15] وليس بين هذه الآيات تناقض لأن المعنى: ما أتاهم من نذير قريب، ولا مانع من وجود نذير بعيد، كما قال تعالى:
يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل..
[المائدة: 19]. وإلا، فمن أين عرفوا أن الله تعالى خالق السماوات والأرض، كما حكى القرآن عنهم:
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله..
[لقمان: 25] فهذا أثر من آثار الرسل السابقين، كما كان فيهم أناس متبعون لمنهج الدين الحق، والذين سماهم الله الحنفاء، وهم الذين لم يسجدوا لصنم، ولم ينحرفوا عن الفطرة السوية. وقوله تعالى: ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ [السجدة: 3] لعل تفيد الرجاء، والرجاء من الله كأنه واقع متحقق لأن الله تعالى يحب لعباده جميعا أن يؤمنوا به ليأخذوا جميل عطائه في الآخرة، كما أخذوا عطاءه في الدنيا، وهم جميعا خلقه وصنعته، وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي:
"... دعوني وما خلقت، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا إلى فأنا طبيبهم.. ".
ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية من قضايا أصول الكون: ﴿ الله الذي... ﴾.