. فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة ﴿ صم ﴾ أي هم كالصم لا يسمعون خيرا ﴿ بكم ﴾ أي كالخرس لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿ عمي ﴾ أي كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ أي لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال، ثم ثنى تعالى بتمثيل آخر لهم زيادة في الكشف والإيضاح فقال ﴿ أو كصيب من السمآء ﴾ أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قوم أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوب بالبرق والرعد والصواعق ﴿ فيه ظلمات ورعد وبرق ﴾ أي في ذلك السحاب ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ﴾ أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم ﴿ حذر الموت ﴾ أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ جملة اعتراضية أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوت من أحاط به الأعداء من كل جانب ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ أي يقارب البرق لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة ﴿ كلما أضآء لهم مشوا فيه ﴾ أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه ﴿ وإذآ أظلم عليهم قاموا ﴾ أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم.. وفي هذا تصوير لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإذا صادفوا من البرق لمعة - مع خوفهم أن يخطف أبصارهم - انتهزوها فرصة فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفي وفتر لمعانه وقفوا عن السير، وثبتوا في أماكنهم خشية التردي في حفرة ﴿ ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ﴾ أي لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ أي إنه تعالى قادر على كل شيء، لا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء، قال ابن جرير: إنما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
أولا: المبالغة في التكذيب لهم ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ كان الأصل أن يقول: " وما آمنو " ليطابق قوله " من يقول آمنا " ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم لإخراج ذواتهم من عداد المؤمنين وأكده بالباء للمبالغة في نفي الإيمان عنهم.
ثانيا: الاستعارة التمثيلية ﴿ يخادعون الله ﴾ شبه حالهم مع ربهم في إظهار الإيمان وإخفاء الكفر بحال رعية تخادع سلطانها واستعير اسم المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة.
ثالثا: صيغة القصر ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ وهذا من نوع " قصر الموصوف على الصفة " أي نحن مصلحون ليس إلا.
رابعا: الكناية اللطيفة ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ المرض في الأجسام حقيقة وقد كنى به عن النفاق لأن المرض فساد للبدن، والنفاق فساد للقلب.
خامسا: تنويع التأكيد ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ جاءت الجملة مؤكدة بأربع تأكيدات ﴿ ألا ﴾ التي تفيد التنبيه، و ﴿ إن ﴾ التي هي للتأكيد، وضمير الفصل ﴿ هم ﴾ ثم تعريف الخبر ﴿ المفسدون ﴾ ومثلها في التأكيد ﴿ ألا إنهم هم السفهآء ﴾ وهذا رد من الله تعالى عليهم بأبلغ رد وأحكمه.
سادسا: المشاكلة ﴿ الله يستهزىء بهم ﴾ سمى الجزاء على الاستهزاء استهزاء بطريق المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى.