تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم قال تعالى مبينا أحكام العدة والطلاق الشرعي ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ أي الواجب على المطلقات الحرائر المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول الشافعي ومالك - أو ثلاث حيض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى:

فما لكم عليهن من عدة

[الأحزاب: 49] ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ أي لا يباح للمطلقات أن يخفين ما في أرحامهن من حبل أو حيض استعجالا في العدة وإبطالا لحق الزوج في الرجعة ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ أي إن كن حقا مؤمنات بالله ويخشين من عقابه، وهذا تهديد لهن حتى يخبرن بالحق من غير زيادة ولا نقصان لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ﴾ أي وأزواجهن أحق بهن في الرجعة من التزويج للأجانب إذا لم تنقض عدتهن وكان الغرض من الرجعة الإصلاح لا الإضرار، وهذا في الطلاق الرجعي ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، بالمعروف الذي أمر تعالى به من حسن العشرة وترك الضرار ونحوه ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ أي وللرجال على النساء ميزة وهي فيما أمر تعالى به من القوامة والإنفاق والإمرة ووجوب الطاعة فهي درجة تكليف لا تشريف لقوله تعالى:

إن أكرمكم عند الله أتقاكم

[الحجرات: 13] ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ أي غالب ينتقم ممن عصاه حكيم في أمره وتشريعه ثم بين تعالى طريقة الطلاق الشرعية فقال: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي الطلاق المشروع الذي يملك به الزوج الرجعة مرتان وليس بعدهما إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة أو التسريح بإحسان بألا يظلمها من حقها شيئا ولا يذكرها بسوء ولا ينفر الناس عنها ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا ﴾ أي لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما دفعتم إليهن من المهور شيئا ولو قليلا ﴿ إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله ﴾ أي إلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى بها ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ أي فإن خفتم سوء العشرة بينهما وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها فلا إثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ أي هذه الأحكام العظيمة من الطلاق والرجعة والخلع وغيرها هي شرائع الله وأحكامه فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها إلى غيرها مما لم يشرعه الله ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ أي من خالف أحكام الله فقد عرض نفسه لسخط الله وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ﴾ أي فإن طلق الرجل المرأة ثالث مرة فلا تحل له بعد ذلك حتى تتزوج غيره وتطلق منه، بعد أن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته كما صرح به الحديث الشريف، وفي ذلك زجر عن طلاق المرأة ثلاثا لمن له رغبة في زوجته لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر ﴿ فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله ﴾ أي إن طلقها الزوج الثاني فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول بعد انقضاء العدة إن كان ثمة دلائل تشير إلى الوفاق وحسن العشرة ﴿ وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ﴾ أي تلك شرائع الله وأحكامه يوضحها ويبينها لذوي العلم والفهم الذين ينظرون في عواقب الأمور.

البلاغة: 1- ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ خرج الخبر عن ظاهره إلى معنى الوعيد والتهديد.

2- ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ خبر في معنى الأمر وأصل الكلام وليتربص المطلقات، قال الزمخشري: وإخراج الأمر في صيغة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجودا، وبناؤه على المبتدأ مما زاده فضل تأكيد.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٩