. ثم بين تعالى أحكام الحيض فقال: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ﴾ ويسألونك يا محمد عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟ فقل لهم: إنه شيء مستقذر ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى للزوجين ﴿ فاعتزلوا النسآء في المحيض ﴾ أي اجتنبوا معاشرة النساء في حالة الحيض ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ أي لا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن. والمراد التنبيه على أن الغرض عدم المعاشرة لا عدم القرب منهن وعدم مؤاكلتهن ومجالستهن كما كان يفعل اليهود إذا حاضت عندهم المرأة ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ أي فإذا تطهرن بالماء فأتوهن في المكان الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد القبل لا الدبر ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ أي يحب التائبين من الذنوب، المتنزهين عن الفواحش والأقذار ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي نساؤكم مكان زرعكم وموضع نسلكم وفي أرحامهن يتكون الولد، فأتوهن في موضع النسل والذرية ولا تتعدوه إلى غيره قال ابن عباس: اسق نباتك من حيث ينبت. ومعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ أي كيف شئتم قائمة وقاعدة ومضطجعة بعد أن يكون في مكان الحرث " الفرج " وهو رد لقول اليهود: إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ أي خافوا الله باجتناب معاصيه وأيقنوا بأن مصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ أي بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي لا تجعلوا الحلف بالله سببا مانعا عن فعل الخير فتتعللوا باليمين بأن يقول أحدكم: قد حلفت بالله ألا أفعله وأريد أن أبر بيميني بل افعلوا الخير وكفروا عن أيمانكم قال ابن عباس: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير ﴿ أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ﴾ أي لا تجعلوه تعالى سببا مانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس وقد نزلت في " عبد الله بن رواحة " حين حلف ألا يكلم ختنه " النعمان بن بشير " ولا يصلح بينه وبين أخته ﴿ والله سميع عليم ﴾ أي سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم.. ثم قال تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ أي لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف كقول أحدكم: بلى والله، ولا والله لا يقصد به اليمين ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب عليه من الإيمان إذا حنثتم فيها ﴿ والله غفور حليم ﴾ أي واسع المغفرة لا يعاجل عباده بالعقوبة.
البلاغة: 1- ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي عن شرب الخمر وتعاطي الميسر.
2- ﴿ وإثمهمآ أكبر من نفعهما ﴾ هذا من باب التفصيل بعد الإجمال وهو ما يسمى في البلاغة ب " الإطناب ".
3- ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ فيه تشبيه مرسل مجمل.
4- ﴿ المفسد من المصلح ﴾ في الآية طباق بين كلمة " المفسد " و " المصلح " وهو من المحسنات البديعية.
5- ﴿ يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة ﴾ كذلك يوجد طباق بين كلمة " النار " وكلمة " الجنة ".
6- ﴿ قل هو أذى ﴾ فيه تشبيه بليغ حيث حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغا وأصله الحيض شيء مستقذر كالأذى فحذف ذلك مبالغة على حد قولهم: علي أسد.
7- ﴿ ولا تقربوهن ﴾ كناية عن الجماع.
8- ﴿ نسآؤكم حرث ﴾ على حذف مضاف أي موضع حرث أو على سبيل التشبيه فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، فالحرث بمعنى المحترث سمي به على سبيل المبالغة.
الفوائد: الأولى: تسمى الخمر أم الخبائث لأنها سبب في كل فعل قبيح، روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن قبلكم متعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام، قال فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته كأسا فقال: زيدوني فزادوه فلم يبرح حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ".