تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله فقال ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ﴾ أي ومن الناس من تبلغ بهم الجهالة أن يتخذ من غير الله أندادا أي رؤساء وأصناما ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ أي يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله ﴿ والذين آمنوا أشد حبا لله ﴾ أي حب المؤمنين لله أشد من حب المشركين للأنداد ﴿ ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ﴾ أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعد لهم يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده ﴿ وأن الله شديد العذاب ﴾ أي وأن عذاب الله شديد أليم وجواب " لو " محذوف أي لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ أي تبرأ الرؤساء من الأتباع ﴿ ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ﴾ أي حين عاينوا العذاب وتقطعت بينهم الروابط وزالت المودات ﴿ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ﴾ أي تمنى الأتباع لو أن لهم رجعة إلى الدنيا ليتبرءوا من هؤلاء الذين أضلوهم السبيل ﴿ كما تبرءوا منا ﴾ أي كما تبرأ الرؤساء من الأتباع في ذلك اليوم العصيب.. قال تعالى ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴾ أي أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك يريهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ أي ليس لهم سبيل إلى الخروج من النار، بل هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي.

البلاغة: 1- ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ ورد الخبر خاليا من التأكيد تنزيلا للمنكر منزلة غير المنكر، وذلك لأن بين أيديهم من البراهين الساطعة والحجج القاطعة ما لو تأملوه لوجدوا فيه غاية الإقناع.

2- ﴿ لآيات ﴾ التنكير في آيات للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على قدرة قاهرة وحكمة باهرة.

3- ﴿ كحب الله ﴾ فيه تشبيه (مرسل مجمل) حيث ذكرت الأداة وحذف وجه التشبيه.

4- ﴿ أشد حبا لله ﴾ التصريح بالأشدية أبلغ من أن يقال " أحب لله " كقوله

فهي كالحجارة أو أشد قسوة

[البقرة: 74] مع صحة أن يقال: أو أقسى.

5- ﴿ ولو يرى الذين ظلموا ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير ﴿ ولو يرون ﴾ لإحضار الصورة في ذهن السامع وتسجيل السبب في العذاب الشديد وهو الظلم الفادح.

6- في قوله ﴿ رأوا العذاب ﴾ و ﴿ تقطعت بهم الأسباب ﴾ من علم البديع ما يسمى ب " الترصيع " وهو أن يكون الكلام مسجوعا.

7- ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ الجملة إسمية وإيرادها بهذه الصيغة لإفادة دوام الخلود.

الفوائد: الأولى: ذكر تعالى في الآية من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع تنبيها على ما فيها من العبر واستدلالا على الوحدانية من الأثر، الأول: خلق السماوات وما فيها من الكواكب والشمس والقمر، الثاني: الأرض وما فيها من جبال وبحار وأشجار وأنهار ومعادن وجواهر، الثالث: اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان، الرابع: السفن العظيمة كأنها الراسيات من الجبال وهي موقرة بالأثقال والرجال تجري بها الريح مقبلة ومدبرة، الخامس: المطر الذي جعله الله سببا لحياة الموجودات من حيوان ونبات وإنزاله بمقدار، السادس: ما بث في الأرض من إنسان وحيوان مع اختلاف الصور والأشكال والألوان، السابع: تصريف الرياح والهواء جسم لطيف وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الصخر والشجر ويخرب البنيان العظيم وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض، الثامن: السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية الكبيرة يبقى معلقا بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده فسبحان الواحد القهار.

الثانية: ورد لفظ الرياح في القرآن مفردة ومجموعة، فجاءت مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب كقوله

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٧