ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49] أي هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولهذا يقال من أحب شيئا وقدمه على طاعة الله عذب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم عذبوا بها، وكانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيحمى عليها في نار جهنم، وناهيك بحرها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكون عبد يكنز فيمس دينار دينارا ولا درهم درهما، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته؛ وقال طاووس: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعا يتبع صاحبه وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك لا يدرك منه شيئا إلا أخذه. وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار ".
9.36
عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال:
" ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان "
الحديث. وعن ابن عمر قال:
" خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال: " أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم "
وقال سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله: ﴿ منهآ أربعة حرم ﴾ قال: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:
" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض "
تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل، كا قال في تحريم مكة:
" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة "
، وهكذا قال ههنا:
" إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض "
أي الأمر اليوم شرعا كما ابتدع الله ذلك في كتابه خلق السماوات والأرض، وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث إن المراد بقوله:
" قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض "
أنه اتفق أن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا نظر، كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء.
وقوله تعالى: ﴿ منهآ أربعة حرم ﴾ فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
" ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان "
فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبين صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد، وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة، لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا، وقوله: ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ أي هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول، قال تعالى: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: