تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم

[الحج: 25]، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وقال ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ قال في الشهور كلها، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حراما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم، وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل، وقال محمد بن إسحاق: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ أي لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما كما فعل أهل الشرك، وهذا القول اختيار ابن جرير، وقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة ﴾ أي جميعكم ﴿ كما يقاتلونكم كآفة ﴾ أي جميعا ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾.

وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين: (أحدهما) وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال: ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما، ولو كان محرما في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة، كما ثبت في " الصحيحين " أنه خرج إلى هوازن في شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلهم لجأوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف، فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتتحها، فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام (القول الآخر): أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام، لقوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام

[المائدة: 2]، وقال:

الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص

[البقرة: 194]، وقال:

فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين

[التوبة: 5] الآية، وأما في قوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ﴾ فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض، أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى:

الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص

[البقرة: 194]، وقال تعالى:

ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم

[البقرة: 191] الآية، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف فإنهم هم الذين ابتدأوا القتال وجمعوا الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق، وغيرها قريبا من أربعين يوما وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة والله أعلم.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٠٢