9.83
يقول تعالى آمرا لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ فإن رجعك الله ﴾ أي ردك الله من غزوتك هذه ﴿ إلى طآئفة منهم ﴾ ، قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا ﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾: أي معك إلى غزوة أخرى ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ﴾ ، أي تعزيزا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ﴾ ، وهذا كقوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة
[الأنعام:110] الآية، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها، كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وقوله تعالى: ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة، وقال قتادة: ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ أي مع النساء، قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم، لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس رضي الله عنهما.
9.84
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين، وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتو عليه؛ وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في (عبد الله بن أبي سلول) رأس المنافقين. كما قال البخاري
" عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما خيرني الله فقال: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ وسأزيده على سبعين " ، قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ﴾ "
وعن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
" لما توفي (عبد الله بن أبي) دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله (عبد الله بن أبي) القائل يوم كذا وكذا وكذا - يعدد أيامه -؟ قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: " أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت " ، قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، قال: فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ﴾ الآية، فما صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل "
، وروى الإمام أحمد عن جابر قال:
" لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: " أفلا قبل أن تدخلوه " ، فأخرج من حفرته، وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه "
وقال البخاري:
" أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل في قبره، فأمر به فأخرج، ووضع على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، والله أعلم ".
وقال قتادة:
" أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أهلكت حب يهود " قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره "