تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.80

يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم؛ وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها؛ وقيل: بل لها مفهوم كما روي، لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:

" إن ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم "

، وقال الشعبي:

" لما ثقل (عبد الله بن أبي) انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يحتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه، فانطلق معه حتى شهده، وألبسه قميصه. وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه؟ فقال: " إن الله قال: ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ ، ولأستغفرن لهم سبعين وسبعين وسبعين " ".

9.81-82

يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ معه ﴿ بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا ﴾ - أي بعضهم لبعض - ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ ، وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا: ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ ، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل ﴾ لهم ﴿ نار جهنم ﴾ التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿ أشد حرا ﴾ مما فررتم منه من الحر بل أشد حرا من النار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" " نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " ، فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: " فضلت عليها بتسعة وستين جزءا " "

، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت في البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد "

وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم "

وعن أنس قال:

" تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ نارا وقودها الناس والحجارة ﴾ ، قال: " أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها "

، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة. وقال الله تعالى في كتابه العزيز:

كلا إنها لظى * نزاعة للشوى

[المعارج: 15-16]، وقال تعالى:

يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد

[الحج: 19-21]، وقال تعالى:

سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب

[النساء: 56]، وقال تعالى هنا: ﴿ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ﴾ أي لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر، ليتقوا به من حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الشاعر:

كالمستجير من الرمضاء بالنار

ثم قال تعالى جل جلاله متوعدا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿ فليضحكوا قليلا ﴾ الآية، قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا، وقال الحافظ الموصلي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا أزجيت فيها لجرت ".

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٧٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٧٢٣