9.90
ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة، قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم تفر من بين غفار، وهذا القول هو الأظهر، لأنه قال بعد هذا: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ أي لم يأتوا فيعتذروا، وقال مجاهد: ﴿ وجآء المعذرون من الأعراب ﴾ قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله؛ وكذا قال الحسن وقتادة: ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿ سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾.
9.91-93
ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم لشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما؛ ولهذا بدأ به، ومنها ما هو عارض بسبب مرض في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقر لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: ﴿ ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ﴾. قال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني، وروي عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿ ليس على الضعفآء ﴾ الآية، وقال ابن عباس في هذه الآية: وذلك
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا، فقال لهم: " والله لا أجد ما أحملكم عليه " ، فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿ ليس على الضعفآء ﴾ إلى قوله: ﴿ فهم لا يعلمون ﴾ "
، وقال مجاهد في قوله: ﴿ ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم ﴾ نزلت في بني مقرن من مزينة، كانوا سبعة نفر، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة، فقال: ﴿ لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ﴾. وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" " إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم " قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: " نعم حبسهم العذر " "
وعن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض "
، ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرجال: ﴿ وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ﴾.