عليهِ [مِن ساعتهِ، فسَكَتْنا]، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ (٩١)، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ، وَهْوَ فِى يَوْمٍ شَاتٍ؛ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّىَ (٩٢) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهْوَ يَضْحَكُ، [وهو يمْسَحَ جبينَهُ]، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ:
" [أبشرى] يا عائشةُ! أمّا (وفى روايةٍ: احمدى) اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ"، قَالَتْ: [وكنتُ أشدَّ ما كنتُ غضبًا]، فَقَالَتْ لِي أُمِّى: قُومِى إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، [وَلَا أَحْمَدُ، ولا أحمَدُكُما]، فَإِنِّى لَا أَحْمَدُ إِلَاّ اللَّهَ عز وجل [الَّذِى أَنْزَلَ بَرَاءَتِى، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ، وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ]، قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العَشْرَ الآياتِ [كلَّها ٨/ ٢١٤].
ثم (وفي روايةٍ: فلمَّا) أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِى بَرَاءَتِى؛ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [إلى آخر الآية؛ يعنى: أبا بكر ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يعنى: مِسْطَحًا] إلى قوله: ﴿[أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ] غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللَّهِ؛ إِنِّى لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِى، فَقَالَ: لِزَيْنَبَ: «مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟». فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْمِى سَمْعِى وَبَصَرِى؛
(٩١) (البرحاء): الشدة. و(التحدر): الانصباب والنزول، وروي: "لينحدر". و(الجمان):اللؤلؤ.
(٩٢) (فسري)؛ أي: فكشف وأزيل.