فجر منها العيون والينابيع والانهار لأن الماء أساس الحياة،
وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]. وأنبت فيها النبات الذي يأكله الناس والحيوان. ثم بعد ذلك ثبت الجبال في أماكنها وجعلها كالأوتاد، حتى تحفظ توازن الأرض. وهذا كله جعله الله ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم ﴾ أي لخير الإنسان يتمتع به. فهل الذي أوجده وأنشأه أول مرة يعجز عن إعادته وإنشائه مرة أخرى؟
وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه
[الروم: 27].
قراءات:
قرأ الجمهور: تزكى بفتح الزاي من غير تشديد، وقرأ نافع وابن كثير: تزكى بتشديد الزاي، وقرأ أهل الحجاز والبصرة: طوى بغير تنوين. والباقون بالتنوين.
79.34-46
الطامة الكبرى: يوم القيامة لشدة اهوالها ولأنها تطم على كل أمر هائل. وبرزت الجحيم: ظهرت للعيان. آثر: فضل. المأوى: المستقر. مقام ربه: جلاله وعظمته. نهى النفس عن الهوى: استقام وكفها عن هواها. الساعة: يوم القيامة. أيان مرساها: متى تقوم وتحصل. إلى ربك منتهاها: علم حصولها عند الله. لم يلبثوا الا عشية أو ضحاها: عندما يرون يوم القيامة يظنون انهم لم يقيموا إلا عشية من النهار أو وقت ضحاه.
بعد ان ذكر الله تعالى خلق السماوات والأرض وما في هذا الكون من إبداع عجائب الخلق والتكوين، وبين انه قادر على نشر الأموات كما قدر على خلق هذا الكون العجيب - بين هنا صدق ما أوحى به الى نبيه الكريم من أن ذلك اليوم آت لا ريب فيه. فاذا جاءت الطامة الكبرى في هولها العظيم، تعرض الأعمال على الناس، فيتذكر كل امرئ ما عمل. ويظهر الله الجحيم للعيان فيراها كل إنسان. ومن ثم يوزع الجزاء على العاملين ﴿ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ﴾ وفضل متاعها ولذائذها على ثواب الآخرة، ﴿ فإن الجحيم هي المأوى ﴾ حيث يجد مستقره ومأواه، ﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ﴾ ، فآمن واستقام ونهى نفسه عن هواها ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ ، حيث يجد النعيم الدائم.
﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها ﴾.
يسألك قومك يا محمد متى وقت الساعة، ومتى وقوعها؟ إن هذا ليس من اختصاصك، لا أحد يعلم عنها شيئا الا الله، فلا تشغل نفسك بهذا الأمر ولا تكلفها عناء البحث عنه.
﴿ إنمآ أنت منذر من يخشاها ﴾
إنما أنت رسول مبعوث للانذار والتعليم فدع علم ما لم تكلف به، واعمل ما أمرت به.
إن الله عنده علم الساعة
[لقمان: 34]،
إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو
[الأعراف: 187].
﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴾
ان يوم القيامة آت لا ريب فيه، ويوم يراه هؤلاء المكذبون يحسبون أنهم لم يلبثوا في الدنيا الا مقدار عشية يوم أو ضحاه، فما أقصر هذه الحياة التي يتقاتل عليها الناس ويلهثون وراءها!