تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخواطر: هي المحركات للإرادات. فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوي بالبال لا محالة. فمبدأ الأفعال الخواطر. ثم الخاطر يحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والعزم يحرك النية، والنية تحرك الأعضاء. والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو للشر، أعني: إلى ما يضر في العاقبة. وإلى ما يدعو إلى الخير، أعني إلى ما ينفع في الدار الآخرة. فهما خاطران مختلفان. فافتقرا إلى اسمين مختلفين.

فالخاطر المحمود يسمى: إلهاما والخاطر المذموم، أعني الداعي إلى الشر يسمى: وسواسا. ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة. ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث. ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب. هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب. فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه واسود بالدخان، علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة. وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان. فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى: ملكا. وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى: شيطانا. واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخبر يسمى: توفيقا. والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى: إغواء وخذلانا. فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسام مختلفة. والملك عبارة عن خلقه الله تعالى، شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والأمر بالمعروف. وقد خلقه وسخره لذلك. والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك، وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير، بالفقر. فالوسوسة في مقابلة الإلهام. والشيطان في القابلة الملك، والتوفيق في مقابلة الخذلان.

ثم قال الغزالي: ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر سوى ما يوسوس به. لأنه إذا خطر في القلب ذكر شيء انعدم منه ما كان من قبل. ولكن كل شيء سوى الله تعالى، وسوى ما يتعلق به، فيجوز أيضا أن يكون مجالا للشيطان. وذكر الله تعالى هو الذي يؤمن جانبه ويعلم أن ليس للشيطان فيه مجال. ولا يعالج الشيء إلا بضده. وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله بالاستعاذة والتبرؤ عن الحول والقوة، وهو معنى قولك: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الغالب عليهم ذكر الله تعالى. وإنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة. قال الله تعالى:

إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون

[الأعراف: 201].

ثم قال: فالوسوسة هي هذه الخواطر. والخواطر معلومة. فإذن الوسواس معلوم بالمشاهدة. وكل خاطر فله سبب، ويفتقر إلى اسم يعرفه. فاسم سببه الشيطان. ولا يتصور أن ينفك عنه آدمي. وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته. فقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والإلهام، والملك والشيطان والتوفيق والخذلان. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٠٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٠٨١