تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل يأيها الكافرون

[الكافرون: 1] من الشرك العملي الإرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه ومنزله منازله، كانت سورة: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن، والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر. و

قل يأيها الكافرون

[الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن، وفي الترمذي: من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، يرفعه:

" ﴿ إذا زلزلت ﴾ [الزلزلة: 1] تعدل نصف القرآن و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن و ﴿ قل يأيها الكافرون ﴾ [الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن "

رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد.

ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس لأجل متابعتها هواها، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض.

وإزالته وقلعه منها أصعب وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته. لأن هذا يزول بالعلم والحجة ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه، بخلاف شرك الإرادة والقصد، فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة هواه واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد والتكرار في سورة

قل يأيها الكافرون

[الكافرون: 1] المتضمنة لإزالة الشرك العملي ما لم يجئ مثله في سورة ﴿ قل هو الله أحد ﴾.

ولما كان القرآن شطرين: شطرا في الدنيا وأحكامها ومتعلقاتها والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها. وشطرا في الآخرة وما يقع فيها. وكانت سورة

إذا زلزلت

[الزلزلة: 1] قد أخلصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر إلا الآخرة، وما يكون من أحوال الأرض وسكانها، كانت تعدل نصف القرآن. فأحر بهذا الحديث أن يكون صحيحا. والله أعلم.

الخامسة: قال ابن تيمية: سورة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ أكثرهم على أنها مكية. وقد ذكر في أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة، وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة. ولا منافاة. فإن الله أنزلها بمكة أولا. ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى. وهذا مما ذكر طائفة من العلماء. وقالوا: إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ذلك. فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقا. والمراد بذلك أنه إذا حدث سبب يناسبها؛ نزل جبريل فقرأها عليه، ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك السبب. إن كان الرسول يحفظها قبل ذلك. انتهى.

وقد تقدم في مقدمة هذا التفسير، ومواضع أخر منه، تحقيق البحث في معنى سبب النزول، بما يدفع المنافاة في أمثال هذا. فراجعه. ولهذه السورة الشريفة تفاسير على حدة. من أمثلها كتابان لشيخ الإسلام ابن تيمية: أحدهما في تفسيرها، والثاني في سر كونها تعدل ثلث القرآن. فاحتفظ بهما. والله الهادي.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٠٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٠٧٦