.. الحديث.
الثاني: قال الرازي: إذا حملنا الفتح على فتح مكة، فللناس في وقت نزول هذه السورة قولان:
أحدهما: أن فتح مكة كان سنة ثمان. ونزلت هذه السورة سنة عشر. وروي أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوما. ولذلك سميت سورة التوديع.
ثانيهما: أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه. ونظيره:
إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد
[القصص: 85] وقوله: ﴿ إذا جآء نصر الله والفتح ﴾ يقتضي الاستقبال، إذ لا يقال فيما وقع (إذا جاء) و (إذا وقع) وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات. من حيث أنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقا له. والإخبار عن الغيب معجزة. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): ولأبي يعلى، من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق، في حجة الوداع. فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع.
ثم قال: وسئلت عن قول الكشاف: إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق، فكيف صدرت ب ﴿ إذا ﴾ الدالة على الاستقبال؟ فأجبت بضعف ما نقله. وعلى تقدير صحته، فالشرط لم يتكمل بالفتح. لأن مجيء الناس أفواجا لم يكن كمل، فبقية الشرط مستقبل.
وقد أورد الطيبي السؤال، وأجاب بجوابين:
أحدهما: أن ﴿ إذا ﴾ قد ترد بمعنى (إذ) كما في قوله تعالى:
وإذا رأوا تجارة...
[الجمعة: 11] الآية.
ثانيهما: أن كلام الله قديم. وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى. انتهى كلامه.
الثالث: قال الشهاب: المراد ب ﴿ الناس ﴾ العرب. ف (أل) عهدية. أو المراد الاستغراق العرفي. والمراد عبدة الأصنام منهم؛ لأن نصارى تغلب لم يسلموا في حياته صلى الله عليه وسلم وأعطوا الجزية.
الرابع: روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:
" ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت عليه: ﴿ إذا جآء نصر الله والفتح ﴾ إلا يقول فيها: " سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي " ".
وفيه عنها أيضا:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن " ".
قال الحافظ ابن حجر: معنى يتأول القرآن: يفعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار، في أشرف الأوقات والأحوال.
وقال ابن القيم في (الهدى): كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿ واستغفره ﴾ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور. فيقول إذا سلم من الصلاة: أستغفر الله ثلاثا. وإذا خرج من الخلاء قال: " غفرانك ". وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله...
[البقرة: 199] الآية.