لقد كان لقائي الأول بذلك الشاب الفتى في أواخر رمضان سنة (4041هـ) , في الرياض حيث أبدى رغبته في الإلتحاق بصفوف المجاهدين, وفي ثاني أيام عيد الفطر من نفس السنة كنا نلحق ومعنا بعض الأخوة الشباب إلى مطار إسلام آباد.
التحق -رحمه الله- بصفوف المجاهدين في جاجي حال وصوله وبقي ثمانية أشهر متواصلة عاد بعدها للسعودية ثم تزوج وانتقل إلى المدينة المنورة.
ومن يومها انقطعت أخباره عني وعلمت أنه يتردد على أرض الجهاد بين الفترة والأخرى, يحمل ما يتمكن من جمعه من أموال يدعم بها الجهاد ويواسي المكلومين ثم علمت أنه بنى مستشفى ميدانيا صغيرا في أرغندراب في ولاية قندهار, وكنت أتوق إلى لقائه واخطط لذلك ولكن المنية اختارته قبل أن يتم اللقاء.
لقد كان -يرحمه الله- في مهمة جهادية في الداخل لتفقد أحوال المجاهدين فأصيب بشظية من قنبلة مدفع هاون سقط شهيدا -إن شاء الله- في مكانه.
وأخبرني زميله الذي كان معه أنه مات وهو يرفع أصبعه السبابة دون أن يتمكن من التلفظ بالشهادة.
وكانت تبدو على وجهه ابتسامة رضى وحبور بعد استشهاده.
وقبل الحادثة بساعات اغتسل من أحد الينابيع التي مر بها, وكان ذلك مساء الخميس ليلة الجمعة أول من ذي الحجة 8041ه- في منطقة أرغندراب.
تذكرت وأنا أنظر إلى صورته مبتسما رغبته في الشهادة وصدقه في طلبها حتى أناله الله منيته.
فهنيئا لك أيها البطل موتك في سبيل الله, وهنيئا لوالديك ولزوجتك ولبنتيك الصغيرتين, وأسأل الله سبحانه أن يتقبلك في الشهداء, وهنيئا لنا جميعا بأمثال هؤلاء الشباب الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشهيد (سيد أحمد خليفة):
كان نسيج وحده, في عزته وأبائه ونخوته, همته تناطح السحاب, وعزيمته تطاول والجوزاء رغم أنه مشلول النصف لا يخطوخطوة إلا ويجانبه من يسنده ونصفه يعتمد على عكازه الذي لايفارقه أبدا.
من السادة الذين يعرفهم الشعب الأفغاني ويحترمه الكبير والصغير وبيته محط للقادمين ومستراح للزائرين في طيبة مثوى سيد الأنام ص وكنت تلمح في وجوه القوم الذين يردون مظافته أناسا من شتى الطبقات ومختلف المراتب والهيئات فرئيس وزراء أفغانستان وقائد الجيش وغيرهما ممن تسلموا المناصب أيام الملك ظاهر شاه كانوا إذا زاروا المدينة فغالبا ما يعرجوا على البيت الذي يعتبر كأنه جزء من جدول الزيارة.
كان (مياجل خان) من علماء أفغانستان البارزين الذين لهم صلات وثيقة بالسادة في المدينة المنورة, وقد أحب والد (سيد أحمد) لأبنه أحمد أن يشب على حياة الفروسية ويترعرع بين لمعان الأسنة وبريق الخفي (الرمح) وضوء المشرفي (السيف).
أرسله إلى أفغانستان صغيرا وعاش فيها كأنه من أبناء هذه العائلة الكريمة التي كان لها شرف السبق في إعلان الجهاد ضد تراقي سنة (8791م) وعندما أدرك الحنث زوجوه أحدى بناتهم, وتزويج الأفغان للعرب أمر غريب لأنه من الصعب جدا أن تخرج البنت خارج قبيلتها, ولكن تزويجهم لأحمد كان شرفا أثيلا ومجدا رفيعا يريدون كسبه لأنه من النسل الشريف حتى ينالوه ولو من جهة المصاهرة.
صلة سيد أحمد بالجهاد: أفغانستان جزء عزيز من قلب أحمد وقد تزوج منها امرأتين كانت إحداهما أم أسامة, ولقد شهد في أفغانستان من الأحداث الضخام التي جعلت تاريخ أفغانستان يكون قسطا وافرا من ثقافته وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاه الشباب هنالكا
هاجر صهره أبو الحسن المدني (وائل جليدان) بأسرته إلى أرض الجهاد, وأم الحسن هي ابنة سيد أحمد ثم لحق بوائل جمال بن أحمد مع إسرته.
وفتح الأبواب ليطفئ سيد أحمد لهيب الأشواق للجهاد خاصة وأن الجهاد فوق الأرض الحبيبة التي درج فوق رباها ونشأ بين نجودها وأوهادها, وقسم دهره شطرين: شطرا للمدينة المنورة التي تأخذ نصف قلبه ولبه, وشطرا لبيشاور وأفغانستان التي سلبت النصف الآخر.
كنت أجلس إليه ويفتتح الحديث, عن أفغانستان وطبيعة الشعب الأفغاني وطراز العيش فيه, ويحدثك عن مصرع نادر شاه سنة (3391م) وقد كان أحد الشهود في الحفل الذي تحول مأتما في يوم عرس, ويحدثك عن الحفاوة البالغة التي كان يحظى بها أثناء زياراته لأفغانستان وعلى المستويين الشعبي والرسمي, وكل هذا راجع لحب