يعود بي شريط الذكريات إلى (4891م) كنت ذات يوم في بيتي وكنت آنذك اسكن في إسلام آباد وإذا بعبد الله يقرع الباب ففتحته فوجدني مع بعض الأخوة منهمكين في التفكير في قضايا مهمة فوقفت أمامه والحياء يسبغ وجهي لونا من الحمرة واستحيت أن أقول له: (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا) بسبب انشغالي وكذلك لم أقل له أن يدخل, عانقته فبادرني قائلا: لعلكم في شغل فأجبته: بلى فقال: اشتقت اليك فجئت خصيصا لأراك وقد رأيتك وقفل راجعا إلى بيشاور.
هكذا كنا ثم قست قلوبنا, كنا أسرة واحدة, قلبا واحدا , انظر إلى هؤلاء الشباب كأنهم أبنائي بل أحب إلي من أبنائي - علم الله - ينشرح صدري إذ أرى أحدهم ويضيق صدري بالبعد عنهم.
الكبير في هذه الأسرة أب والصغير ابن والقرين أخ وهكذا, وكنت من البداية حريصا على أن أجنب هذا التجمع الجهادي المبارك مغبة الوقوع فريسة الأحقاد, أو السقوط في هوة التعصب الحزبي والمذهبي أو الإقليمي.
ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه أو نتفانى
ثم أقبلت بعض الصدور تحمل أحقاد السنين, وتنموبما يثقلها من خلافات الهوى والشح المطامع والإعجاب بالرأي, فقذفت كل ما تحمله عن بلادها من مرارة الإختلاف في أحضاننا فتغيرت بعض النفوس, وفسدت بعض القلوب, وتنكر بعض الأخوة لإخوانهم.
هكذا كنا: يقطع عبد الله المحارب مائتي كيلومترا ليراني, فيبل شوقه ويطمئن قلبه ثم يعود إلى بيشاور.
كان عبدالله من السابقين الأوائل إلى ميدان القتال ولقد كان على الفطرة التي فطر الله الناس عليها, شاب نشأ في طاعة الله, لم تدنس فطرته بهوى, ولم يفسد قلبه بدنيا.
يعيش عيش ذلك الأعرابي رث الهيئة الذي سمع أبا موسى الأشعري يروي عن رسول الله ص: إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقال: يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله ص يقول هذا قال: نعم فرجع إلى أصحابه فقال: اقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل مسلم.
منذ خمس سنوات وهو يتردد بين أرض المعركة ورياع قومه يأتي إلى ساح الأبطال فيخوض غمار النزال ويشبع نهمه ثم يعود إلى بلده يجمع ما استطاع ويستنهض الهمم ويستثير العزائم ويقبل موقرا بالأموال وما جادت به كرام النفوس ثم يوصلها إلى المجاهدين ويعيش بينهم فترة ثم يرجع وهكذا دواليك.
الفتوى: كنت أراه بين الحين والآخر, قال لي ذات مرة: لقد رأيت أن فتواك في فرضية العين حق وأنه لا إذن لأحد على أحد, ثم عقب قائلا وهل أطلعت على رأي الشيخ ابن تيمية (ج/82ص853): (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجب على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين, كما قال الله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) كما أمر النبي ص بنصر المسلم وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أولم يكن وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد).
فقلت في نفسي: لم يعلم الأخ عبد الله أني نقلت هذا في كتابي (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان.
في -آرغنداب- من مديريات قندهار: واختار عبدالله ساحة قندهار لتكون ميدانا لنشاطه وقندهار معروفة بأنها أرض منبسطة ويعتبر القتال فيها أشق ما يواجه المجاهدين على أرض أفغانستان.
وفي غرة ذي الحجة سنة (8041هـ) بينما عبد الله يعيش انتصارات المجاهدين ويشعر بمنة الله العظيمة على هذا الشعب الكريم, وانحسار الكفار وأهله وخزي الإلحاد ودحره.
وفي معمعان القتال وبين دوي المدافع ودمدمة الرصاص, أصابت عبد الله شظية لم يستطع أن يتكلم بعدها سوى أنه كان يشير بسبابته إلى السماء وبلغت الحلقوم وشخص البصر وأسلم الروح في ميدان طالما حلم أن يشهد منيته فيه.
وما أجمل أن نردد مع أبي تمام في وداع عبد الله:
فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى ... مفرا ... غداة المأزق ارتاد مصرعا
وما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
وقد أرسل لنا الشيخ عقيل العقيل مدير مؤسسة الحرمين للأيتام في كويتا على حدود قندهار بهذه الرسالة بعد استشهاد الأخ عبد الله رحمه الله.
في أول ذي الحجة (8041هـ) سقط على أرض قندهار الأخ عبد الله بن محمد المحارب فروى بدمه الطاهر أرض البطولة والجهاد.