تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فحاصرناهم ... فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه, قال: فلما قفلوا, قال سلمة: رآني رسول الله ص وهو آخذ بيدي قال: مالك? قلت له: فداك أبي وامي زعموا أن عامرا حبط عمله قال النبيص: كذب من قال أن له لأجرين وجمع بين اصبعيه, أنه لجاهد مجاهد, قل عربي مشى بها مثله مختصر البخاري -التجريد الصحيح- رقم (4461) , والنووي -مسلم- (21/ 761).

أو قد سمعت شهادة النبي ص لعامر بن الأكوع -أخي سلمه- الذي قتل نفسه خطأ: أن له لأجرين ... إنه لجاهد مجاهد, أي مجاهد جاد في طاعة الله والغزو في سبيله.

وقد اتفقت نصوص الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنبلية على أن قاتل نفسه خطأ في أثناء القتال لا يغسل ولا يصلى عليه, وهو كمن قتل بيد الكفار, قال المالكية في حاشية الدسوقي (1/ 624): (لا يغسل شهيد معترك ولو قتل بدار الإسلام ... أو داسته الخيل أو رجع عليه سيفه أو سهمه أو تردى في بئر أو سقط من شاهق في حال القتال).

قصة الإستشهاد:

والآن دعنا ندع أبا عمار اليمني - شاهد العيان- يكمل قصة الإستشهاد ويروي لنا آخر ما شهد من مشاهد هذين البطلين في هذه الحياة.

يقول أبو عمار: كنا أربعة نطلق قذائف الهاون على مركز العدو وكان أبو مصعب الفلسطيني يلقم الهاون بالقذائف وكنت أناوله وكان حمزة اليماني (هشام بن الدكتور عبد الوهاب الديلمي) يمسك بأرجل الهاون وفي القذيفة الخامسة بالضبط وبدلا أن تنطلق على مراكز العدو تفجر المدفع ذاته وحملت أبا مصعب الفلسطيني وألقته على بعد مترين أو ثلاثة حيث أسلم الروح لخالقها وعلى الفور.

وأما حمزة اليماني فقد مكث عشر دقائق ثم فاضت الروح الطاهرة إلى مولاها, وجرح سي اف المصري.

رائحة المسك:

ولففت أبا مصعب الفلسطيني ببطانية, وبدأت رائحة المسك تفوح في الأرجاء ويقسم أبو عمار عدة أقسام أنني لم أرح (أشم) عرفا (رائحة) أطيب من هذه في حياتي وللمرة الثانية إذ كانت الأولى هي التي استنسمتها من دماء خالد الكردي الذي استشهد في (31) ذي الحجة قبل شهر تقريبا.

دماء الشهداء حياة شجرة الإسلام: وعدت لأحمل حمزة اليماني الذي يسكن سويداء قلبي, والذي ملك حبه علي نفسي ومشاعري وشد إليه إحساسي وأنفاسي, حمزة الذي عرفته في صنعاء وكم طعمت في بيته وهو صائم, وكم تعلمت منه ومن والده! ورائحة المسك تعبق مسكا في الأرجاء, وفاح الطيب وطاب من طيب الدم المكان كله ووقعت قطرة من دم حمزة على قميصي وأخذت الرائحة طريقها إلى أنوف كل الحاضرين وصرت أشهد كل من أرى على طيب رائحة الدماء الزكية التي روت أرض المأسدة لتروي بدورها عروق شجرة الإسلام التي كادت تجف عندما انقطع رواؤها بانقطاع ماء حياتها وهو دم أبنائها.

ثم أوصلت سياف إلى المستشفى (بارشنار) وعدت في الثامنة مساء إلى المأسدة والكل يتحدث عن الدماء الزكية والأرواح النقية.

الكل يلهج بذكر رائحة المسك وأصبحت القضية من المسلمات لدى العرب والأفغان ولا يناقش في صحتها إنسان, لأنها تتكرر فلم يعد لمنكر مبرر, ولا لعلماني محيص أو مهرب.

وفي الصباح عدت إلى اليرموك الموقع الذي استشهد به الأخوان وغمست إصبعي في دمائهم, لا زال الدم سائلا لم يجمد, ولازال المسك عبقا لا ينفد وصار أحمد البيشي وجنود اليرموك يرددون ويؤكدون طيب الدماء وطيب الأشلاء وانهال الثناء, وضرعت الأكف بالرجاء إلى فاطر الأرض والسماء أن يتقبل الشهداء وأن يلحق بهم الأحياء, فمن الشهيدان??

عشاق الحور · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٥٤