نواجذها مملوءة أخلافها (أضلاعها) فحمل الصحيف الأبلج (السيف الأبيض) والقويم الأملج (الرمح الأسمر) وتوجه إلى أفغانستان ولك أن تتصور معي كم يعاني الشاب الناشيء في مجتمع فقير لتوفير ثمن التذكرة التي تصل الى الف جنيه! ??
ويصل الشاب إلى أفغانستان ويعد نفسه بسرعة ثم يتوجه مع قافلة إلى تخار هناك على حدود روسيا.
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
عود رقيق, وجسم نحيل, ولكن الروح وثابة, والعزم نفاذ, وبقي هناك بصحبة أخيه ذبيح الله وعبد الرحمن وقريبا من نهر جيحون (آموداريا) وساعاته التي يقطعها يتشوق للشهادة ويتطلع لها, وفي أحرج الساعات ما كانت النكته الحاضرة تفارقه, وروح الفكاهة أصبحت تجري في دمائه.
وأيامه التي انسلخت عنه وما داره سوى الهيجاء (ليس له دار سوى الحرب) وبما أثرت صوارمه البيض له في جماجم الأعداء (وأثرت سيوفه في رؤوس الأعداء) ورجع من تخار إلى بيشاور ثم يترامى إلى مسامعه هجوم الروس على ننجرهار, ويمتشق سلاحه ويهب كالريح لنجدة اخوانه الأفغان ثم يعود ويشد الرحال في هذه المره مع أخويه (عبد الرحمن وذبيح الله) إلى جاجي ويحط رحاله هناك ويبدأ ببناء قاعدة جديدة للجهاد وأين? على بعد أربعة كيلو مترات من معسكرات العدو, ويواصل عمل الليل بكد النهار.
سألتهم من إمامكم? قالو: أبو الذهب وهو يحفظ كتاب الله, كان صوته نديا ومع نبراته شجى, كنت أراه يصلي معنا الفجر ثم يغادر ولا أراه إلا بعد العشاء, بين الثلوج التي لايكاد شخص يقف لها ويصبر عليها0
ترى هذه المجموعة ولا يكاد أحدهم يزيد عن الثالثة والعشرين فيخيل إليك أنك تواجه أرواحا في أشباح النمور ومخالب النسور قد تحفزت للوصاب وانقضت للأختلاب ولا فتى مثل ابي الذهب, يجمع بين الأدب الجم والإخلاص كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - الذي تلمسه من خلال جلوسه بين يديك كالطفل الصغير يطلب منك الدعاء له بالشهادة, وقد حسبت أنه لا يمزح أبدا ولم أسمعه ذات مرة يضحك بملء فيه أو يهزل, وإذا ببعض من عايشه يقول لي: النكتة لا تفارقه, فعلمت أنه الأدب الرفيع مع الكهول.
وطالت المدة وزمهرير الشتاء لايؤثر على صلابة الرأي ومضاء العزيمة, إنهم مصممون أن يحرروا المراكز التي تواجههم ويفتحوا الطريق الواسع إلى كابل, ولا يكلون من مراقبة العدو ولا من جمع المعلومات ولا من الإستعداد للإنقضاض.
ثم تقدم ونصب خيمة على بعد مائتي متر قرابة شهرين ويحدثني أبو خالد الذي كان يساكنه في الخيمة: كنت أحس من أعماقي أن الرجل ماض إلى الله وأنه سيغادرنا عما قريب, كان يعمل في نصب الصواريخ وإعداد السلاح وتبين الأهداف حتى الساعة العاشرة ليلا ثم يأتي يتجافى جنبه عن المضاجع ويغالبه الكرى وتأخذه سنة من النوم ثم يستيقظ الساعة الواحدة ليلا وينهض ليواصل عمله والشباب هجع.
ويقبل يوم العملية وأبو الذهب يتمنى أن ينال الشهادة ولكن الشهادة قدر مقدور وغيب مسطور (قد جعل الله لكل شيء قدرا) (لكل أجل كتاب).
ولم يغادر الفتى خيمته ولم يقطع استعداده, وواصل العمل وبعد إسبوع بالضبط وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان سنة (7041ه-) الموافق اليوم الرابع والعشرين من ابريل سنة (7891م) كانت المنية للفتى بمرصد فخرج يرافقه شفيق وأسامه للإستطلاع وبعد العصر أخذ الشهيد يمهد الأرض بقدمه لأداء صلاة العصر وإدا بلغم يتفجر تحت قدميه وطارت قدماه حتى الركبة تقريبا وأخذ الأنفجار أصبعين من أصابع أسامة وأصابت شفيقا شظية صغيرة, لقد تحققت الرؤيا التي رؤيت له بالجلوس مع امرأة جميلة غراء الجبين فيبشر في صباح هذا اليوم بالشهادة.
وبدأ الدم ينزف من رجليه المقطوعتين ويده البتراء وهو يردد حسبنا الله ونعم الوكيل, وبقي على هذا الحال قرابة الساعتين ثم أسلم الروح وكان آخر ما ودع به الدنيا يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث, وحمل جثمانه الطاهر ثم واراه التراب, شهادة لله أنه ما قصر تجاه دينه وشهادة على زملائه وإخوانه وأحبابه ومعارفه أنه بلغ حكم الجهاد لهم وخط بدمه الطاهر أسطر الخلود لتبقى أحرفا من نور في سجل الخالدين وديوان العارفين فهل يؤثر دمه الفوار الذي روى هضاب أفغانستان على من عرف هذا الطريق فيدرك أن أمر الجهاد جلل وأنه فرض عين وأنه لا اذن للوالدين ولا لأحد من العالمين في تلبية نداء رب العالمين?
فتى الخيل قد بل النجيع نحورها ... يطاعن في ضنك المقام عصيب
يعاف خيام الريط في غزواته ... فيا خيمة الإغبار أنت حروب
ومضى أبو الذهب الى ربه وأصبح حديث السامر, فسلام عليك يا أبا الذهب في الخالدين