تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الوادي وأنعم به من واد, فكم قذف بفلذات الأكباد من الليوث والآساد, فقد جاءنا من وادي سوف وثبت في أرض الجهاد أكثر مما جاءنا من الجزائر بأسرها, وحسبك من الوادي الشهيد فوزي بن علي, ولا أدع ذكر الوادي قبل أن أدعو لأبي إبراهيم.

عائلته متدينة: شب وتفتحت عيناه على براعم الصحوة الإسلامية التي عم نورها البلدان الإسلامية, وض و ح شذاها أرجاء المعمورة, أنهى الدراسة الثانوية ثم عمل في وظيفة إدارية وخطب له أهله فتاة يريدون أن يمتعوا أبصارهم برؤية أحفادهم, وتمت الخطبة وبدأت الاعدادات للزواج وقبل البناء -العرس- بقليل وقعت أنظاره على مجلة من مجلات الجهاد فاسترعى انتباهه أمر جلل, إنه الجهاد في أرض البطولة والفداء وماذا بعد هذا?

إن العلماء يفتون بفرضية العين دون إذن الوالدين.

فيا نفس أي عذر لك أمام الله بعد هذا? وهل الزواج يصلح عذرا للقعود عن الجهاد? ألم يكن أصحاب رسول الله ص يتزوجون أو يهفون للزواج? وهل منعهم هذا عن تقديم أرواحهم لنصرة هذا الدين? أسئلة تتواتر وتترادف وخواطر تتوالى وتتوارد لم يعد يستطيع, أصبح ذهنه مشغولا في هذه الخواطر التي لم يعد يملك ردها.

وجاء القرار أخيرا: وأخيرا جاء القرار الحاسم بأن تكاليف الزواج يجب أن يشترى بها تذكرة توصله إلى الجهاد, وأما الزواج فلعله يكون في الجنة بالحور العين, ألم يقل الله -عز وجل- (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).

تأشيرة باكستان: وانطلق ياسين مغادرا الجزائر, وطفق يبحث عن سبيل للحصول على فيزا الدخول إلى باكستان فتوجه نحو تركيا ولكن وجد أن تأشيرة باكستان دونها كثير من العقبات وذلك بسبب الضغوط العالمية -التي توجهها الأصابع اليهودية- على باكستان لأن العالم كله إنما ينتفض فزعا من الشباب المسلم الأعزل فكيف إذا حمل هذا الشباب السلاح, إن الشباب المجاهد غول يطارد أعداء الله في منامهم فيقض عليهم المضاجع.

وانتقل ياسين من تركيا إلى دولة عربية وبعد جهد جهيد وقد بلغت القلوب الحناجر يس ر الله له التأشيرة وأقبل إلى باكستان وأخذ قسطه من التدريب ثم إلى أين?

إلى وادي سوف الأفغاني (وادي شكردرا: وادي السكر) وقد لقي الإخوة فيه أنسهم بعد أن يس ر الله لهم أحد إخوة الوادي (أبا علي المالكي) الذي أصبح محل ثقة جميع القادة وكأن الأفغان ضيوف وأبا علي صاحب المنزل.

وفي شكردره: استلم ياسين دبابة من الغنائم وقد كانت له معرفة سابقة بالدبابات الروسية, وأصبح يقودها ويتحرك بها في المنطقة, وقد كان يخوض غمار المعارك يحمل كاميرة الفيديو ليسجل القذائف الملتهبة والدبابات المحترقة والمخازن المشتعلة.

سنة كاملة في وادي سوف الأفغاني (وادي شكردرة): ووجد ياسين في الوادي روحه وريحانه, وأقربائه وخلانه, فاستقر بها يبحث عن الموت ليسرع من زواجه بالحور.

في كريزمير: ولشدة القتل الذي يخلفه القصف الجوي والمدفعي بكل ما أبدعه العقل الروسي من وسائل التدمير والإبادة قل عدد المجاهدين في كريز مير (قرية في شكردرا).

وأبى الإخوة العرب أن يدعوا أهل القرية لمصيرهم المحتوم وهو الإستسلام للدولة فيما لو انسحبوا, واختاروا الموت على خط الدفاع الثاني لكابل.

ولقد استحر القتل بهم, والدولة تعرف مركز العرب, والمسافة مقيسة بالمتر, والقذيفة قلما تخطئ هدفها, أو تضل مسارها.

قال تقي الدين: وشهدت مع ياسين المعركة الأخيرة وقد صو ر احداثها الملتهبة وعاد إلى البيت ليلقي الكاميرا وجاءت قذيفة الموت التي أخذت معها رجله وجاء عبد الحق الجزائري وضمد الجرح الذي يثعب دما وأتينا بالحصان الذي نريد أن ننقله عليه إلى جارليز والطريق مسيرة ليلتين, وبعد مغادرة شكردرا بساعة صعدت روحه إلى بارئها.

ومضى ياسين إلى رب العالمين, ونرجو الله عز وجل أن يتقبله في الصالحين, وأن يزوجه الحور العين, وهكذا مضيت يا ياسين بعد أن علمتنا الكثير علمتنا أنه:

إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم

عشاق الحور · الصفحة ١٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٥١