38.21-25
شرح الكلمات:
هل أتاك: الاستفهام هنا للتعجب أي حمل المخاطب على التعجب.
نبأ الخصم: أي خبر الخصم الغريب في بابه العجيب في واقعه.
إذ تسوروا المحراب: أي محراب مسجده إذ منعوا من الدخول من الباب فقصدوا سوره ونزلوا من أعلى السور.
بغى بعضنا على بعض: أي تعدى بعضنا على بعض.
فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط: أي احكم بالعدل ولا تجر في حكمك.
واهدنا إلى سواء الصراط: أي أرشدنا إلى العدل في قضيتنا هذه ولا تمل بنا إلى غير الحق.
إن هذا أخي: أي على ديني في الإسلام.
فقال أكفلنيها: أي اجعلني كافلها بمعنى تنازل لي عنها وملكنيها.
وعزتي في الخطاب: أي غلبني في الكلام الجدلي فأخذها مني.
لقد ظلمك بسؤال نعجتك: أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه.
من الخلطاء ليبغي بعضهم: أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا.
وظن داود أنما فتناه: أي أيقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره.
فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب: أي طلب المغفرة من ربه بقوله استغفر الله وسقط ساجدا على الأرض وأناب أي رجع تائبا إلى ربه.
وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب: أي وحسن مرجع عندنا وهي الجنة والدرجات العلا فيها.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تسلية الرسول وحمله على الصبر على ما يعاني من كفار قريش من تطاول وأذى فقال له ربه تعالى ﴿ وهل أتاك ﴾ إلى آخر الآيات. وذلك أن داود عليه السلام ذكر مرة في نفسه ما أكرم الله تعالى به إبراهيم وإسحاق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنى مثله فقيل له إنهم امتحنوا فصبر فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا به ويعطى كالذي أعطوا إن هو صبر فاختبره الله تعالى بناء على رغبته فأرسل إليه ملكين في صورة رجلين فتسورا عليه المحراب كما يأتي تفصيله في الآيات وهو قوله تعالى ﴿ وهل أتاك ﴾ يا رسولنا نبأ الخصم وهما ملكان في صورة رجلين، ولفظ الخصم يطلق على الواحد والأكثر كالعدو فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي، وهذا عدوي، وهؤلاء عدو لي. وقوله ﴿ إذ تسوروا المحراب ﴾ أي طلعوا على سور المنزل الذي هو المحراب في عرف بني إسرائيل ولم يدخلوا من الباب لأن الحرس منعهم من ذلك، لأن لداود وقتا ينقطع فيه للعبادة فلا يسمح بمقابلة أحد وقوله ﴿ إذ دخلوا على داوود ففزع منهم ﴾ أي ارتاع واضطرب نفسا ﴿ قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي اعتدى بعضنا على بعض جئنا نتحاكم إليك ﴿ فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ﴾ أي لا تجر في الحكم ﴿ واهدنآ إلى سوآء الصراط ﴾ أي إلى وسط الطريق فلا تمل بنا عن الحق.
ثم عرضنا عليه القضية فقال أحدهما وهو المظلوم عارضا مظلمته ﴿ إن هذآ أخي ﴾ أي في الإسلام ﴿ له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها أضمها إلى نعاجي، ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي وغلبني في الكلام والجدال وأخذها مني. فقال داود على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ﴾ وعلل لذلك بقوله ﴿ وإن كثيرا من الخلطآء ﴾ أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة ﴿ ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وهم أهل الإيمان والتقوى فإنهم يسلمون من مثل هذه الاعتداءات، ﴿ وقليل ما هم ﴾ أي وهم قليل جدا، وهنا طار الملكان من بين يدي داود وعرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربه كما رغب إليه وأنه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة صغيرة أرته أن ما ناله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم، وهنا استغفر داود ربه ﴿ وخر راكعا ﴾ يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربه في أمره كله، وذكر تعالى أنه قبل توبته وعفا عنه فقال تعالى ﴿ فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى ﴾ أي لقربه عندنا ﴿ وحسن مآب ﴾ أي مرجع وهو الدرجات العلا في دار الأبرار، جعلنا الله تعالى من أهلها بفضله ورحمته.