تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (1)، وقال تعالى عن إبراهيم {: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (2).
وَلَو شَكَّ فِيهِ .....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمراد بالأقل: ما دون النصف، وهذا مما لا خلاف فيه، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، فطلقتان، لأنه كلام متصل أبان به أن المستثنى غير مراد بالأول، ولو قال: نسائي طوالق إلا فلانة، صح.
أما استثناء النصف فالراجح جوازه، لما تقدم، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، أما استثناء الأكثر فلا يصح على أحد القولين، وهو قول الإمام أحمد، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين، طلقت ثلاثاً.
وإن استثنى بقلبه من عدد الطلقات بأن قال: نسائي طوالق، ونوى إلا فلانة صح الاستثناء، فلا تطلق، لأنه قوله: (نسائي) من غير ذكر عدد اسمٌ عام، يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له، واستعمال اللفظ العام في المخصوص سائغ في الكلام، فإذا أراد البعض صح، وانصرف اللفظ بنيته إلى ما أراده دون ما لم يرده، ولو قال: نسائي الأربع طوالق، واستثنى واحدة بقلبه طلقن جميعهن، لأن العدد نص فيما يتناوله فلا يرتفع منه شيء بمجرد النية، لأنها أضعف من اللفظ، وكذا لو قال: هي طالق ثلاثاً، ونوى واحدة وقعت الثلاث، لما تقدم.
قوله: (وَلَو شَكَّ فِيهِ) الشك هو التردد بين شيئين لا يترجح أحدهما على الآخر، وهو هنا مطلق التردد، والشك في الطلاق أربعة أقسام: شك في أصله، وشك في عدده، وشك في شرطه، وشك في محله، كما لو طلق معينة ثم نسيها كما سيأتي، فإذا شك في الطلاق أي: في أصل الطلاق، وهل طلق أو لم يطلق (أخذ باليقين) وهو بقاء النكاح، فلا يُحكم بوقوع الطلاق، لأن النكاح يقين،
أو عَدَدِهِ، أو فِي الرَّضَاعِ، أو عَدَدِهِ ............................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والطلاق شك طرأ على يقين، فلا يزيله، ودليل ذلك القاعدة الشرعية التي عليها مدار كثير من الأحكام الفقهية وهي: (اليقين لا يزول بالشك)، ومن أدلة ذلك: حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ فِي الصَّلاةِ، قَالَ «لا يَنْفَتِل، أَو لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوتاً، أَو يَجِدَ رِيحاً» (3) فأمره بالبناء على اليقين وإطراح الشك، وعليه فلا يلزم الطلاق بشك فيه.
قوله: (أو عَدَدِهِ) أي: وإن تيقن الطلاق وشك في عدده، هل طلق واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثاً؟ (أَخَذَ باليَقِينِ) وهو طلقة واحدة، ويطرح الشك، وهو ما زاد عليها، لأن ما زاد على اليقين طلاق مشكوك فيه، فلم يقع، كما لو شك في
(1) سورة العنكبوت، الآية (14).
(2) سورة الزخرف، الآيتان (26، 27).
(3) أخرجه البخاري (137)، ومسلم (361).