تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالجراب عن ذلك أن نقول: كون العالم عالما، معلل بالعلم عندنا شاهداً وغائباً. والوجه الذي لأجله أوجب العلم كون العالم عالما، ليس يختلف شاهداً وغائباً. وايضاح ذلك: أن العلم في حق الواحد منا، لم يوجب كون محله عالما من حيث كان حادثا، ولا من حيث كان عرضا، ولا من حيث كان موجوداً، إذ هذه الصفات تثبت لا ضداد العلم، ثبوتها للعمل. فثبت أنه إنما أوجب كون محله عالما من حيث كان علما، وهذا ما لا يختلف فيه علم القديم وعلم المحدث، فدل على أن العلمين مشتركان في الوصف الذي يوجب كون العالم عالما، فما أوجب الحكم لم يختلفا فيه، بل اشتركا فيه، وما اختلفا فيه من حيث الصفات، ليس شيء منها مقتضيا حكمه.

فإن قالوا: هذا الذي قدرتموه في العلمين محقق في أخص السواد والبياض، وذلك أن كون السواد سواداً، وإن كان حكم المخالفة لكون البياض بياضاً، فقد استويا في كونهما أخصين. فهذا الوجه الذي يوجب التماثل، والوصفان مشتركان فيه كاشتراك العلمين في الوصف المقتضي للحكم الموكم الموجب له، وهذا من أهم أسئلة القوم، وهذا أقصى مضطر بهم.

ونحن الآن نوضح فساده بأقرب طريق إن شاء الله. وذلك أنا نقول: كون العلم عندنا علماً على القول بالأحوال، حال للعلم، وصفة له زائدة على ذاته، فلم يبعد منا أن نقول: إنما أوجب العلم حكمه لكونه علماً، لما كان كونه علماً وصفاً زائداً على الذات. فأنتم إذا زعمتم أن كون السواد سواداً، إنما اقترضي المماثلة والمخالفة، من حيث كان أخص. قيل لكم: كون السواد أخص لا يخلو: إما أن ينبئ عن وصف زائد عليه، أو لا ينبئ عن وصف زائد. فإن لم يتقض كون السواد أخص، وصفا زائدا وحا لا، فقد بطل التمسك به.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٢٠٧