3 - استدلاله بقول ابن المديني على تجهيل المثنى فيه نظر؛ لأن الشيخ لا يعرف مدلول كلمة "مجهول" عند ابن المديني، ولا كذلك مدلول كلمة "مستور" عند ابن حجر! وقد بينت ذلك كما سبق ولله الحمد.
· ترجمة جابر بن صُبْح الراسبيّ:
قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (2/ 207): "جابر بن صبح أبو بشر الراسبي البصري: سمع منه يحيى بن سعيد القطان ويوسف البراء. وقال يحيى: جابر أحبّ إليّ من المهلب ابن أبي حبيبة".
قلت: والمهلب ثقة.
قال مسلم بن الحجاج في ((الكنى والأسماء)) (1/ 142): "أبو بشر جابر بن صبح الراسبي. روى عنه يحيى القطان ويوسف البراء".
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (6/ 142) فقال: "جابر بن صبح الراسبي -من أهل البصرة- كنيته أبو بشر. روى عنه يوسف بن يزيد البراء ويحيى القطان".
وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (2/ 500): "جابر بن صبح أبو بشر الراسبي، هو جد سليمان بن حرب أبو أمه. روى عن أميه بن عبدالرحمن بن مخشي مرسلاً، وعن مثنى بن عبدالرحمن بن مخشي بن أخى أمية بن مخشي عن أمية بن مخشي، وخلاس، وعبيدالله بن أبى جروة. روى عنه شعبة، وأبو معشر يوسف بن يزيد البراء، ويحيى بن سعيد، وعيسى بن يونس. سمعت أبي يقول ذلك. قال عبدالرحمن: ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال: جابر بن صبح ثقة".
· تعقّب المزي لابن أبي حاتم:
قال المزي في ((تهذيب الكمال)) في ترجمة (جابر بن صبح الراسبي) (4/ 442): "وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه في مشايخه: أمية بن عبدالرحمن بن مخشي، ولم يذكر المثنى بن عبدالرحمن! والمعروف المثنى بن عبد الرحمن (د س) عن عمّه أمية بن مخشي، ولا نعلم في الرواة أحداً اسمه أمية بن عبدالرحمن بن مخشي، والله أعلم".
قلت: الذي في مطبوع ((الجرح والتعديل)): "روى عن أميه بن عبدالرحمن بن مخشي [مرسلاً، وعن مثنى بن عبدالرحمن بن مخشي بن أخى أمية بن مخشي عن أمية بن مخشي] ".
وأشار المحقق المعلمي -رحمه الله- إلى أن ما بين الحاجزين موجود في نسخة دار الكتب المصرية التي رمز لها بالرمز (م). وبناءً على هذا فيكون ابن أبي حاتم ذكر المثنى بن عبدالرحمن، ولكن ذلك وقع في بعض النسخ، والنسخة التي وقعت للمزي فيها هذا السقط الموجود في النسخ الأخرى.
وقول ابن أبي حاتم عن أبيه: "روى عن أمية بن عبدالرحمن بن مخشي مرسلاً" فيه نظر! وهو كما قال المزي: لا يوجد في الرواة من اسمه أمية بن عبدالرحمن بن مخشي. وكأن الذي حدث هو أنه وقع في إسناد بعض النسخ التي اعتمدها أبو حاتم: "عن جابر ابن صبح عن أمية بن عبدالرحمن بن مخشي عن النبي صلى الله عليه وسلم" وهذا الإسناد بهذه الصورة مرسل كما قال، ولكنه خطأ نتج عن تحريف في بعض النسخ، والله أعلم.
· تضعيف الأزديّ لجابر بن صبح!
ذكر الحافظ ابن كثير حديثه هذا في ((تفسيره)) (2/ 19) ثُمّ قال: "وثقه ابن معين والنسائي. وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به حجة".
وقال ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (2/ 36): "وقال الأزدي: لا يقوم بحديثه حجة".
قلت: كأن ابن حجر تبع ابن كثير في هذا النقل، فإني لم أجده في مكان! وقد ردّ بعض المعاصرين هذا القول من الأزدي لما تكُلّم فيه وأنه يسرف في الجرح! نعم هذا القول في جابر بن صبح مردود، وهو ثقة، ولكن هل قال الأزدي هذا الكلام فيه؟! فربما أخطأ ابن كثير في النقل عن الأزدي! ويؤيد هذا أنه من عادة ابن الجوزي أنه لا يخلي كتابه في الضعفاء من أقوال الأزدي؛ لأن كتاب الأزدي في الضعفاء وقع له، وما أظنه وقع لابن كثير ومن بعده كما حققته في رسالتي عن الأزدي.
فإن ثبت الكلام عن الأزدي فربما قاله في آخر ليس في هذا، فالله أعلم. والأزدي ليس بضعيف، بل هو صدوق، وكلامه في الرّجال منه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود كغيره من النقّاد.