تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: أما دعواه بالاضطراب فلا تصح؛ لأن هذه الاختلافات ليس من الراوي نفسه؛ وإنما هي من الرواة عنه، وقد بينت أن جماعة ضبطوه عن ابن إسحاق وخالفوا حماد بن سلمة، فالاضطراب منفي عن هذا الحديث.

وأما تجهيله لهؤلاء الرواة فهو من منهجه المتشدد في الجهالة، فأيّ راو لا يعرفه يطلق عليه الجهالة! وقد تبيّن لنا أن هؤلاء ثقات، فلا يلتفت إلى قوله فيهم.

· تعقب ابن حزم:

قال ابن حزم في ((المحلى)) (9/ 107): "وهذا حديثٌ في غاية فساد الإسناد. رويناه من طريق محمد بن إسحاق، فمرة رواه عن أبي سفيان، ولا يُدرى من هو، عن مسلم بن كثير، ولا يُدرى من هو، وعن عمرو بن دينار الدينوري، ولا يُدرى من هو، عن عمرو ابن حريش الزبيدي، ولا يُدرى من هو. ومرة قلب الإسناد فجعل أوله آخره وآخره أوله، فرواه عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم عن جبير، ولا يُدرى من هو، عن أبي سفيان، ولا يُدرى من هو، عن عمرو بن حريش. ومثل هذا لا يَلتفت إليه إلا مجاهرٌ بالباطل أو جاهلٌ أعمى". انتهى كلامه.

قلت: هذا الكلام مردودٌ! فإن الاختلاف ليس من ابن إسحاق، وإنما من بعض الرواة عنه أو عن من روى عنه كما ظهر جلياً معنا.

وأما تجهيله لهؤلاء فلا يلتفت إليه؛ لأن تجهيله للرواة لا يُعتد به، فهو واسع الخطو في ذلك، فكم من إمام معروف جهّله ابن حزم كالترمذي وغيره!

وقوله: "وعن عمرو بن دينار الدينوري، عن عمرو بن حريش الزبيدي"! وهم! فإن كان هذا الكلام من إنشائه فهو غلط منه؛ لأنه لا وجود لعمرو بن دينار الدينوري في هذا الحديث؛ بل لا يوجد هذا الاسم في الرواة أصلاً! وكأن هذا محرّف عن: "عمرو بن حريش الزبيدي"، فتحرف في نسخته، أو من النساخ! والله أعلم وأحكم.

· كيف تعامل الشيخ الألباني مع هذا الحديث؟

قال الشيخ الألباني في ((إرواء الغليل)) (5/ 205): "حسنٌ. وله طريقان: الأولى: عن حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريش ... هكذا أخرجه أبو داود وكذا الطحاوي والدارقطني والحاكم والبيهقي، وقال: "اختلفوا على محمد بن إسحاق في إسناده، وحماد بن سلمة أحسنهم سياقة له". قلت: وإسناده ضعيف، فيه عنعنة ابن إسحاق. ومسلم بن جبير، وعمرو بن حريش مجهولان كما في ((التقريب)). وقال ابن القطان: "هذا حديث ضعيف، مضطرب الإسناد". ثم فصّل القول في ذلك، وبين جهالة الرجلين، فراجع كلامه في نصب الراية (4/ 47)، وأورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) (1/ 390) وتكلّم عليه بما لا يشفي.

ومن وجوه اضطرابه، رواية جرير بن حازم عن محمد بن إسحاق عن أبي سفيان عن مسلم ابن جبير عن عمرو بن الحريش ... أخرجه الدارقطني وأحمد (2/ 171).

ووجه المخالفة فيه ظاهر، فإنه جعل الراوي عن ابن الحريش مسلم بن جبير بدل أبي سفيان في رواية حماد، والاضطراب من الراوي -وهو ابن إسحاق هنا- في الرواية مما يدل على أنه لم يضبطها ولم يحفظها، فهو ضعف في السند علاوة على جهالة الرجلين.

ومما سبق تعلم ما في قول الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم"! من البعد عن الصواب. ومن العجيب أن الذهبي وافقه على ذلك مع أنه قال في ترجمة مسلم بن جبير: "لا يُدرى من هو، تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب". وفي ترجمة عمرو بن الحريش: "ما روى عنه سوى أبي سفيان، ولا يدرى من أبو سفيان أيضاً".

الطريق الأخرى: عن ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ...

أخرجه البيهقي والدارقطني وعنه (5/ 287 - 288) شاهداً للطريق الأولى، وذكر أنه شاهد صحيح. وأقره ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) بل تأوله، ولم يتعقبه بشيء كما هي عادته! وأقرّه الحافظ في ((التلخيص))، وصرّح في ((الدراية)) (ص288) بأن إسناده قوي.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٩٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٩٥٢