قلت: لم يقل ابن حبان مثل ما جاء عند ابن أبي حاتم كما زعم الشيخ! فكلام ابن حبان مثل كلام البخاري كما سبق نقله. ولا أدري من أين أتى الشيخ بنسبة هذا الكلام لابن حبان! وكذلك مكان وجوده (1/ 107)! فهذا المكان الذي أشار إليه إنما فيه أحداث للسيرة قبل أن يبدأ ابن حبان بالتراجم!
نعم، ذكر ابن أبي حاتم أنه روى عن أبي بكرة! فإما أنه اعتمد وكيع السابقة التي ليس فيها ذكر لعبيدالله بن أبي بكرة، ويقويه أنه لم يترجم في كتابه لعبيدالله بن أبي بكرة. ويُحتمل أنه سقط من النسخة التي اعتمدها ابن أبي حاتم من تاريخ البخاري؛ لأنه اعتمد على نسخة سقيمة من التاريخ، ويحتمل أنه سقط من النسخ التي اعتمدت في التحقيق، ويؤيد هذا أنه لما ترجم لمحمد بن عبدالعزيز في ((الجرح والتعديل)) (8/ 7) قال: "محمد بن عبدالعزيز الجرمي: روى عن سعد مولى أبي بكر عن عبيدالله بن أبي بكرة. روى عنه وكيع وأبو نعيم سمعت أبي يقول ذلك". فذكر ابن أبي حاتم هنا أن سعداً يروي عن عبيدالله بن أبي بكرة، فالله أعلم.
· تجهيل "المعلقون على مسند أحمد" لسعد مولى أبي بكرة!
قالوا: "حديثٌ صحيح. وهذا إسنادٌ ضعيف"، ثم قالوا عن سعد مولى أبي بكرة: "ذكره ابن حبان في الثقات في طبقة أتباع التابعين، ولم يذكروا عنه راوياً غير محمد بن عبدالعزيز الراسبي، فهو مجهول".
قلت: إن المشرف على هؤلاء الهواة هو الشيخ شعيب الأرنؤوط، ومذهبه في أن الذي يروي عنه واحد مجهول! وتبع في هذا ابن حجر في التقريب -مع خلاف معه في غير ذلك-! وهذا مذهبٌ باطلٌ؛ لأنه قد يروي عن الشخص راو واحد ويكون صدوقاً أو ثقة، ويُرجع في ذلك إلى القرائن التي تحتف بالرواية وبراويها. فالراوي عنه ثقة، وهو معروف في أهل البصرة، والمولى قريب من سيده، وروايته مشهورة، فهو إلى الصدق أقرب، وإن كان ليس بالمشهور في الرواية، فروايته لا بأس بها، وإسنادها صحيح.
· حديث: ((مَنْ عالَ جاريتين ... )).
بعد أن أشار الإمام البخاري إلى حديث محمّد بن عبدالعزيز عن سعد مولى أبي بكرة، واختار رواية أبي نعيم، وأعرض عن الاختلافات الأخرى، أشار إلى حديث آخر لمحمد بن عبدالعزيز، وبيّن الاختلافات فيه:
فرواه في ((التاريخ الكبير)) وفي ((الأدب المفرد)) (308) عن عبدالله بن أبي الأسود، عن محمد بن عبيد الطنافسي، قال: حدّثنا محمد بن عبدالعزيز، عن أبي بكر بن عبيدالله بن أنس، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من عال جاريتين حتى تدركا دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين)) -وأشار محمد بن عبدالعزيز بالسبابة والوسطى-. ((وبابان يعجلان في الدنيا: البغي وقطيعة الرحم)).
ورواه أيضاً في ((التاريخ)) عن محمد، عن محمد بن عبيد، عن محمد بن عبدالعزيز الراسبي، عن أبي بكر بن عبيدالله بن أنس، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من عال، وبابان يعجلان.
ورواه أيضاً عن ابن أبي خلف، عن محمد بن عبيد، عن محمد بن عبدالعزيز الراسبي، عن أبي بكر بن عبيدالله، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.
قلت: ذكر البخاري بعد رواية ابن أبي الأسود رواية: عمرو الناقد عن أبي أحمد الزبيري، عن محمد بن عبدالعزيز، عن عبيدالله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((من عال جاريتين)).
فأراد البخاري أن يبين أن محمد بن عبيد الطنافسي روى هذا الحديث عن محمد بن عبدالعزيز، وخلط في إسناده وفي متنه! فأتى برواية أبي أحمد الزبيري عن محمد على الصواب، واقتصر على متن: ((من عال جاريتين))، والمتن الآخر: ((بابان يعجلان)) حديث آخر أدخله محمد بن عبيد في روايته لحديث عبيدالله بن أبي بكر بن أنس.
ومن دقة الإمام البخاري أنه عندما ذكر رواية ابن أبي الأسود عن الطنافسي، قال: "بمثله، ومن عال جاريتين". أي روى الطنافسي بهذا الإسناد متن الحديث السابق "اثنتان يعجلهما الله، وأيضاً: ((من عال جاريتين))، فنبّه البخاري على خطأ الطنافسي في هذا الخلط بين المتنين؛ لأن كلّ متن له إسناد، ورواهما الطنافسي بإسناد واحد! ولم يتنبه الخطيب البغدادي في ((الموصح)) لهذه النكتة التي نبه عليها البخاري، فقال بأن الطنافسي خالف الجماعة في روايته لهذا الحديث وأتى بإسناد آخر! وهذا منه عجيب! لأن ذاك الحديث لم يروه الطنافسي -مع أنه كان عنده-! ولكن لما كان كلا الحديثين عن محمد بن عبدالعزيز دخل الخلط على الطنافسي.