قلت: هو صدوقٌ، وكان يخطئ.
قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (9/ 285): سمعت أبي يقول: يزيد بن كيسان: يكتب حديثه، ومحله الستر، صالح الحديث. قلت له: يحتج بحديثه؟ قال: "لا، هو من بابة فضيل بن غزوان وذويه بعض ما يأتي به صحيح وبعض لا".
· حديث الفياض بن غزوان:
· استشهاد الشيخ الألباني بحديثه، والرد عليه:
1 - أخرج ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (ص300) من طريق مخلد بن يزيد، عن جعفر بن بُرقان، عن فياض، عن عبدالله بن زبيد، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصابه هم أو حزن فليدع بهذه الكلمات يقول: اللهم أنا عبدك ... )).
وهذا الحديث عدّه الشيخ الألباني شاهداً لحديث ابن مسعود في الدعاء الذي رواه أبو سلمة الجهني: ((اللهم إني عبدك وابن عبدك ... )) الحديث. وحسّن الحديث هو والشيخ شعيب.
قال الشيخ الألباني في ((الصحيحة)) (199) (ص386) بعد أن ذكر حديث ابن مسعود: "وللحديث شاهد من حديث فياض عن عبدالله بن زبيد عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال ... أخرجه ابن السني (343) بسند صحيح إلى فياض، وهو ابن غزوان الضبي الكوفي؛ قال أحمد: ((ثقة)). وشيخه عبدالله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه: ((روى عنه الكوفيون))، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. قلت: فهو مستور، ومثله يستشهد بحديثه إن شاء الله تعالى" انتهى.
قلت: أظهر الشيخ الألباني من إسناده فياض وابن زبيد وصحح الإسناد إلى فياض، ولعل العلة فيه في الراوي عن فياض، وهو جعفر بن بُرقان الجزري! وهو وإن كان ثقة عند أهل العلم إلا أن بعضهم تكلّم فيه بكلام شديد بحيث لا يحتج بما تفرد به.
قال ابن سعد: "كان ثقة صدوقاً، له رواية وفقه وفتوى في دهره، وكان كثير الخطأ في حديثه". وسُئِل ابن خزيمة عن أبي بكر الهذلي وجعفر بن برقان؟ فقال: "لا يحتج بواحدٍ منهما إذا انفردا بشيءٍ" (تهذيب الكمال: 5/ 15).
وهذا الحديث لا يُعرف عند أهل الكوفة، فلعل جعفر بن برقان -وكان من المقرئين- أخذه من فياض عندما نزل الكوفة، فإن سلم الحديث من جعفر، فتكون العهدة فيه على فياض، وهو ليس من أهل الحديث المعروفين، وحديثه نادر جداً، وتوثيق الإمام أحمد له يعني في دينه سيما وهو من أهل القراءات، ولا يعتمد في الحديث إذا تفرد.
وكذلك عبدالله بن زبيد شيخه، ولا يُعرف له سماع من أبي موسى الأشعري! وأين أصحاب أبي موسى من هذا الحديث؟! والأشبه أنه مرسل.
2 - روى الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) (كما في زوائد الهيثمي: ص251، باب في عُمّار المساجد) قال: حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن فياض بن غزوان، عن محمد بن عطية، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لينادي يوم القيامة: أين جيراني، أين جيراني؟ قال: فتقول الملائكة: ربنا ومن ينبغي أن يجاورك؟ فيقول: أين عُمَّار المساجد)).
قلت: هذا حديث منكرٌ! تفرد به محمد بن عطية عن أنس! ومحمد بن عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (1/ 198): "عنده عجائب".
وقال ابن حبان في ((المجروحين)) (2/ 273): "منكر الحديث جداً مشتبه الأمر لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبوه ليس بشيء في الحديث، ولا يروي عنه إلا أسيد بن زيد، وأسيد يسرق الحديث، فلا يتهيأ إطلاق القدح على من يكون بين ضعيفين".
قلت: في الحديث السابق أن فياض بن غزوان روى عنه، وهو روى عن أنس، فتعيّن أن يطلق القدح فيه، وهذا الحديث من العجائب التي عنده كما أشار الإمام البخاري.
3 - روى الطبراني في ((المعجم الكبير)) و ((المعجم الأوسط)) (7/ 145) و ((الصغير)) (2/ 122) عن مُحَمَّد بن نُوح بن حرب العسكري، قال:، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إِسْحَاقَ الْقَطَّانُ الرَّازِيُّ، قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنْ أَخِيهِ طَلْحَةَ بن سُلَيْمَانَ، عَنِ الْفيَّاض بن غَزْوَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ بِمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وَهُوَ قَاعِدٌ عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، مَا أَبْكَاكَ؟ لَعَلَّكَ ذَكَرْتَ أَخَاكَ، إِنْ ذَكَرْتَهُ إِنَّهُ لِذَلِكَ أَهْلٌ، قَالَ: لا، وَلَكِنْ أَبْكَاني بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِي مَجْلِسِي هَذَا، أَوْ فِي مَكَانِي هَذَا، يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَسِيرُ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الأَبْرِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ)).