· أصل الحديث من قول الواعظ العابد شُميط بن عجلان:
أصل هذا الحديث هو قول العابد الزاهد شُميط بن عجلان البصري.
ذكر ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (3/ 342) عن عُبيدالله بن شميط بن عجلان، عن أبيه أنه كان يقول فى مواعظه: "إذا أصبحت آمناً فى سربك، معافاً في بدنك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء".
وقال العجلوني في ((كشف الخفاء)) (1/ 84): "وأخرجه عبدالله بن أحمد عن شميط من قوله".
وروى أبو نُعيم في ((حلية الأولياء)) (3/ 129) قال: حدثنا أبو بكر بن مالك قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: أُخبرت عن سيّار قال: حدثنا عبيدالله بن شميط، قال: سمعت أبي يقول في كلامه: "بئس العبد عبد خلق للعبادة فصدته الشهوات عن العبادة، بئس العبد عبد خلق للعاقبة فصدته العاجلة عن العاقبة فزالت العاجلة وشقي بالعاقبة".
قال: وسمعت أبي شميط يقول: "كل يوم ينقص من أجلك وأنت لا تحزن، وكل يوم تستوفى من رزقك قد أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع، فكيف يستبين للعالم جهل من قد عجز عن شكر ما هو فيه وهو مغتر في طلب الزيادة، أم كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقضي فيها رغبته، فالعجب كل العجب لمصدق بدار الحق وهو يسعى لدار الغرور".
وأقوال شميط في هذه المعاني كثيرة، ولهذا فإن هذا الحديث يشبه كلامه، بل قد صرّح ابنه أنه من كلامه.
ولبعض السلف في هذا المعنى أيضاً كلاماً يشبهه، فقد روى ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (7/ 147) من طريق هشام بن حسان، عن الحسن البصري، قال: قال صفوان بن محرز: "إذا أكلت رغيفاً أشد به صلبي وشربت كوزاً من ماء فعلى الدنيا وأهلها العفاء".
وروى أبو الحسين عفيف بن محمد الخطيب البوشنجي في جزء ((المنظوم والمنثور من الحديث)) (ص46) برقم (13) قال: أخبرنا أبو عليّ الرفَّا، قال: حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِالْعَزِيزِ البغوي، قال: حدثنا أبو نُعيم - هو: الفضل بن دُكين-، قال: حدثنا عَمرة - كذا! -، عن أبي حازم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَتَاهُ اللَّهُ أَرْبَعَ خلالٍ فَقَدْ أَتَاهُ اللَّهُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَخَيْرَ الآخِرَةِ))، قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي دِينِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ إِلَى اللَّيْلِ فَقَدْ أَتَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)).
قال أبو الحسين عفيف: فَنَظَمْتُهُ وَقُلْتُ:
قَالَ رَسُولُ الله سقياً لما *** وُورِي من أعظمه الطاهرهْ
أربعةٌ قَدْ خُصَّ مَنْ نَالَهَا *** بِخَيْرِ دُنْيَاهُ وَبِالآخِرَهْ
عَافِيَةُ الإِنْسَانِ فِي دِينِهِ *** وَنَفْسِهِ الْمُفْسِدَةِ الْفَاجِرَهْ
وَالأَمْنُ فِي السِّرْبِ وَمِقْدَارُ مَا *** يَبْلُغُهُ فِي يَوْمِهِ آخِرَهْ".
قلت: وهذا مرسل، وأبو حازم هو: سلمة بن دينار الأعرج المدني القاص الثقة (توفي ما بين سنة 133 و 144هـ على اختلاف بين أهل العلم).
فالحديث منتشر بين الناس مرسلاً؛ لأن محور التفكير في ذلك الزمان هو كلامه صلى الله عليه وسلم، فيرفع الناس بعض الكلام له وهو لم يقله.
وعبيدالله بن محصن أرسله كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم - إن صح وجوده، ولم يكن عبدالرحمن بن شميلة هو نفسه المصلوب المتّهم! وعبدالرحمن رواه عن سلمة بن عبيدالله عن أبيه - وأصله من مواعظ شُميط بن عجلان العابد الزاهد البصري، والله تعالى أعلم وأحكم.
وكتب: خالد الحايك
10 ربيع الآخر 1429هـ.